للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تقليدهم فظلوا معرضين عن الاستجابة إلى دعوة الله ورسالة رسوله. وهذا ما أشارت إليه الآيات [٥٥- ٥٦] وإذا أصيبوا ببلاء ثم كشفه الله عنهم رحمة بهم تمادوا في طغيانهم وإعراضهم. ولقد أنزل الله بهم بلاء فكشفت التجربة عن هذه الحقيقة لأنهم لم يخضعوا لربهم وما استكانوا وما تضرعوا وما تابوا عمّا هم فيه.

وسيظلون على موقفهم إلى أن يفتح الله عليهم بابا ذا عذاب شديد. غير أن هذا الباب حينما يفتح عليهم يكون وقت الندم والتوبة قد فات وأصبحوا في موقف اليائس من رحمة الله.

وقد قال المفسرون «١» إن الآية الثانية تضمنت الإشارة إلى القحط والجوع الذي أصاب أهل مكة حتى أكلوا القدّ والعظام والذي كان بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في ظرف اشتدّ غضبه عليهم لاشتداد عنادهم وأذاهم. ورووا أن أبا سفيان جاء إلى النبي فناشده الرحم وقال له: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى، قال: فادع الله أن يكشف عنّا هذا القحط. فدعا فكشف عنهم فظلوا على عنادهم وجحودهم فنزلت الآيات منددة بهم. وقد ذكروا وأوردوا الرواية في سياق سورة الدخان أيضا على ما شرحناه في سياق تفسير السورة المذكورة.

وصيغة الآية تلهم صحة رواية إصابة أهل مكة ببلاء رباني وكشفه عنهم. غير أننا نتوقف في رواية مجيء أبي سفيان إلى النبي ومناشدته الرحم وطلبه الدعاء لله بكشف البلاء لأن هذا يستلزم أن يكون مؤمنا بصحة نبوّة النبي وهو ما لم يكن.

على أن من الممكن أن يكون النبي قد رأف بقومه حين رأى ما أخذهم من جهد فدعا الله مؤملا أن يكونوا قد اتعظوا ورقّت قلوبهم فكشف عنهم البلاء، فلما ظلوا مصرّين على كفرهم وطغيانهم ندّد الله بهم هذا التنديد وأنذرهم بعذاب لا يكون لهم فيه باب رحمة وتوبة.

ولا نرى هذا متعارضا مع تقريرنا أن الآيات استمرار للحملة السابقة لأن ذلك ملموح بقوة. وعطف الآيات على ما سبقها واستعمال ضمير الجمع الغائب


(١) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير وغيرهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>