للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المذكورين في الآيات كتابيون ويحتمل أن لا يكونوا عربا أو ممن يجيدون العربية ويتذوقون بلاغتها بقوة وإلى أمثالهم على الأرجح نسب الكفار تعليم النبي كما جاء في آية النحل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) . حيث تقرر صراحة عجمة لسان بعض أهل العلم والكتابيين الذين كانوا في مكة. وهذا الذي نقوله في صدد المؤمنين السابقين من العرب والكتابيين في مكة ينسحب على من آمن بعدهم في مكة ثم في المدينة من الفريقين أيضا. والآيات التي نقلناها قبل قليل وخاصة آيات المائدة بالنسبة لعلماء النصارى تحتوي برهانا حاسما في هذا الشأن.

وهناك ملاحظات مهمة في هذا الصدد تدعم ما نحن بسبيل تقريره، وهي أن الذين آمنوا في العهد المكي كانوا بضع مئات في حين بقيت الأكثرية العظمى من أهل مكة ثم سائر أهل المدن والبوادي العربية متصامّة عن الدعوة النبوية بل ومناوئة لها طيلة هذا العهد، والنبي يتلو القرآن على كل من يلقاه من هؤلاء وأولئك في المواسم وغيرها، وظل الأمر كذلك مع أن ثلثي القرآن قد نزلا في هذا العهد وأن الأسلوب القرآني المكي هو أقوى وأنفذ من حيث النظم والإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والحجاج والإفحام والإلزام، وليس ما يصح قوله في حال إن الذين آمنوا هم فقط الذين تذوقوا بلاغة القرآن وتأثروا بها فغالب الزعماء والنبهاء والشعراء وذوي الشأن كانوا في صفوف الكفار ولقد ذكرت روايات السيرة «١» ما كان للقرآن من تأثير في بعض زعماء الكفار ونبهائهم في مكة، وما كان منهم من اعتراف بسمو طبقته وبلاغته وحلاوته وقوة نفوذه، ومع ذلك فقد ظلوا مناوئين للدعوة إلى النهاية استكبارا وعنادا وأنفة وعصبية وخوفا على مراكزهم وزعامتهم إلى الفتح المكي أو بعبارة أخرى إلى أن هلك بعضهم وضعف شأن من بقي منهم وأمكن الله منهم.


(١) ابن هشام ج ١ ص ٢٤٧- ٢٤٨ و ٢٦٦ و ٢٧١- ٢٧٢ و ٢٨٥- ٢٨٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>