للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والحوار والتلقين والتوجيه، وبينها وبين قصص الأنبياء وأممهم مماثلة من ناحية التكرار ومن ناحية الأسلوب والسياق ففي كل مرة تأتي في سياق التنديد بالكفار ومواقفهم وتمردهم وتربط ذلك بما كان من موقف إبليس واستحقاقه من أجل ذلك غضب الله، وبما كان من خضوع الملائكة لأمر الله ومسارعتهم إلى تنفيذه.

وأسلوبها وعظي وليس سردا قصصيا وهذا هو شأن قصص الأنبياء وأقوامهم. وهذا كله يسوغ القول إن هذه القصة لم تورد في القرآن لذاتها وفي معرض تقرير بدء خلق البشر، وإنما أوردت بقصد العظة والاعتبار وضرب المثل. والإشارة إلى ما في عصيان الله والتمرّد على أوامره من جريمة منكرة، وإلى أن الذين يتمردون على الله ودعوته إنما هم تبع لإبليس، ثم إلى ما في مسارعة الملائكة إلى تنفيذ أمر الله والخضوع له من المثل الحسن الذي يتضمن تقرير كون الذين يستجيبون إلى الله ودعوته هم سائرون في الطريق القويم الذي سار فيه الملائكة.

ويتبادر لنا بالإضافة إلى هذا أن القصة استهدفت فيما استهدفته تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين. فالذين لا يستجيبون إلى الدعوة هم ذوو النيات الخبيثة والقلوب المريضة المتكبرون المتعالون الذين يجد فيهم إبليس مجالا للوسوسة والإغواء. ومصيرهم جميعا إلى النار. وأن طريق إبليس مسدود بالنسبة لذوي النيات الحسنة والقلوب السليمة والرغبة الصادقة في الحق والهدى، الذين يستجيبون إلى دعوة الله ويلتفون حول نبيه. وفي جملة إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ من حكاية كلام إبليس تأييد لذلك.

وفي كل هذا تلقينات جليلة مستمرة المدى من حيث التبكيت بالمنحرفين وقرنهم بإبليس والتنويه بالصالحين وقرنهم بالملائكة.

ولعلّ مما يندمج في أهداف القصة وأسلوبها أمرين مهمين بالنسبة إلى عقائد العرب في الملائكة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثر. أولهما توجيه العرب الذين للملائكة في أذهانهم صورة فخمة إلى الاحتذاء بهم في إطاعة أمر الله واستجابة دعوته. وثانيهما تفهيم العرب أن الملائكة الذين يشركونهم مع الله ليسوا

<<  <  ج: ص:  >  >>