للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقت نزول هذه السورة، المجمع على أنها مكية.. ويقوّى من هذا الإجماع على مكيتها، أن اليهود لم يواجهوا فيها مواجهة صريحة متحدّية.

وثانيا: أن النبىّ أعفّ وأكرم من أن يجابه حبرا، هذه المجابهة، التي لا تكشف عن غرض إلا سبّ هذا الحبر، وحقره، وما كان النبىّ سبّابا ولا لعّانا، ولا فاحشا، ولا متفحشا، بل كان فى جميع أحواله على هذا الوصف الكريم الذي وصفه الله به: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .

ثالثا: جاء فى الآية: «وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ» .. واليهود الذين عاصروا النبىّ لم يعلّموا ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم.. بل كانوا أسوأ حالا، وأكثر غباء وجهلا مما كان عليه آباؤهم، حين واجههم القرآن.

ورابعا: غير مستساغ عقلا أن يقول اليهود مثل هذا القول، وأن يقوله حبر منهم، وبين أيديهم التوراة التي لا يختلفون أنها نزلت على موسى، بل وبين أيديهم أسفار أنبياء كثيرين ضمتها التوراة، والتي أطلق عليها «العهد القديم» .. ثم كيف يقول الحبر هذا القول والرسول الكريم يسأله بحق الذي أنزل التوراة على موسى؟

والذي نطمئن إليه فى فهم هذه الآية، أن المخاطبين بها هم هؤلاء المشركون من أهل مكة.

وأن الله سبحانه وتعالى ينكر عليهم قولهم: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» إذا كان ذلك من مقولاتهم التي يعذرون بها لأنفسهم فى انصرافهم عن النبىّ وتكذيبهم له، كما يقول الله تعالى عنهم: «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» (٢٤: القمر) وقوله سبحانه: «وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا؟» (٩٤: الإسراء) .

<<  <  ج: ص:  >  >>