للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإِنَّهُ كانَ حَلِيماً في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده غَفُوراً لمن تاب عن كفره: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما

جاء في الحديث «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق» «١» .

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة. قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله. وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا. لم يقل «ساترا» لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستورا بالحجاب المنقطع. وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصا، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدبا بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسنا إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إذ لم يعيشوا بالنصيحة. وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً فيه أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم على داود كفضل القرآن على الزبور. وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ من قرى قالب الإنسان إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته أَوْ مُعَذِّبُوها بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: أَحاطَ بِالنَّاسِ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ كان الوحي يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.


(١) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ١٨. أحمد في مسنده (٢/ ١٩٢، ٤٧١) .

<<  <  ج: ص:  >  >>