للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله سبحانه: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم.

وقوله سبحانه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، معناه: بالقتل والأسر، ووَ يُخْزِهِمْ، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية/ إذا استحى، وأما قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ «١» ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعيّ المستنصر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: [الرجز] ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا وفي آخر الرجز:

وقتّلونا ركّعا وسجّدا «٢»


(١) أخرجه الطبري (٦/ ٣٣٢) برقم: (١٦٥٥٤- ١٦٥٥٧- ١٦٥٥٨- ١٦٥٥٩) ، وذكره ابن عطية (٣/ ١٣) ، والبغوي (٢/ ٢٧٣) رقم: (١٤) ، وابن كثير (٢/ ٣٣٩) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٣٨٩) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٢) والأبيات:
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنت لنا أبا وكنّا ولدا ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا عبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشّمس ينمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا
ذكر السيوطي في هذه الأبيات (٣/ ٢١٥) نقلا عن ابن إسحاق والبيهقي في «الدلائل» ، وانظر القرطبي (٨/ ٤٣) ، و «روح المعاني» (١٠/ ٤٤) ، و «البحر المحيط» (٥/ ٧) ، والواحدي في «الوسيط» (٢/ ٤٨١- ٤٨٢) ، وذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٦١) ، وعزاه لأبي يعلى، وينظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ١١٧٥) .

<<  <  ج: ص:  >  >>