للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ونحو ذلك، فيقال لك: فقد دلّ الدليل على نفى الوجوب، وهو ما روى أنه قيل: يا رسول اللَّه: العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: «لا، ولكن أن تعتمر خير لك» «١» وعنه «الحج جهاد والعمرة تطوّع» «٢» . فإن قلت: فقد روى عن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج «٣» . وعن عمر رضى اللَّه عنه أنّ رجلا قال له: إنى وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين علىّ، أهللت بهما جميعاً فقال: «هديت لسنة نبيك» «٤» وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت: كونها قرينة للحج أنّ القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر فيقال: حجّ فلان واعتمر والحجاج والعمار، ولأنها الحجّ الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب. وأمّا حديث عمر رضى اللَّه عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة. والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقى الحجّ وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوّال، في أنك تأمره بفرض وتطوّع. وقرأ علىّ وابن مسعود والشعبي رضى اللَّه عنهم (والعمرة للَّه) بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقال: أُحصر فلان، إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز. قال اللَّه تعالى (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . وقال ابن ميادة:

وَمَا هجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ … عَليْكَ وَلَا أَنْ أحْصَرَتْكَ شَغُولُ «٥»


(١) . أخرجه الترمذي من رواية حجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: لا. وأن تعتمر هو أفضل» ورواه الطبراني من رواية عبيد اللَّه بن المغيرة عن أبى الزبير عن جابر، بلفظ «وأن تعتمر خير لك» ورواه الدارقطني من الوجهين. وضعفه. [.....]
(٢) . أخرجه ابن ماجة من رواية إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه عن أبيه بهذا. ورواه الطبراني من حديث ابن عباس بنحوه وفيه محمد بن الفضل بن عطية. وهو ضعيف. ورواه ابن أبى داود في المصاحف من رواية عمر بن قيس عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن عمه عن مسعود. قال الدارقطني في العلل: هذا خطأ. ولعله أراد إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه عبس بن طلحة. وإنما يعرف هذا الحديث من رواية معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة. ورواه الحفاظ من أصحاب شعبة عن معاوية بن إسحاق عن أبى صالح عن ماهان مرسلا. وكذلك رواه ابن أبى شيبة عن جرير عن معاوية بن إسحاق. وقال البيهقي: روى عن شعبة هذا الاسناد موصولا. لكن الطريق فيه إلى شعبة ضعيف.
(٣) . أخرجه البخاري تعليقا. والشافعي موصولا. من رواية عمرو بن دينار عن طاوس عنه.
(٤) . أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان، من رواية أبى وائل عن الضبي بن مغبديه.
(٥) . لتوبة بن حمير، يقول لنفسه: ليس هجر ليلى الأخيلية محبوبتك لتباعدها عنك ولا لأشغال منعتك عنها، بل لخوف الرقباء والوشاة هجرتها. ويجوز أن المعنى: ليس هجرها لك بسبب، وإنما هو لايذائك واحتراق قلبك.