للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بضم الواو تشبيها لها بواو الجمع في قوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ إما أن يكون بدلا من سيحلفون، أو حالا بمعنى مهلكين. والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب وما يحلفون عليه من التخلف. ويحتمل أن يكون حالا من قوله لَخَرَجْنا أى لخرجنا معكم، وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك الشقة. وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم. ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا. يقال: حلف بالله ليفعلنّ ولأفعلنّ، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية.

[[سورة التوبة (٩) : آية ٤٣]]

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها «١» . ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت «٢» . ولِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بيان لما كنى عنه بالعفو. ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ من صدق في عذره ممن كذب فيه. وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى فعاتبه الله تعالى.

[[سورة التوبة (٩) : آية ٤٤]]

لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)

لا يَسْتَأْذِنُكَ ليس من عادة المؤمنين «٣» أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الخلص


(١) . قال محمود: «هذا كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها … الخ» قال أحمد رحمه الله: ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين: إما أن لا يكون هو المراد. وإما أن يكون هو المراد، ولكن قد أجل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب، وخصوصا في حق المصطفى عليه الصلاة والسلام، فالزمخشرى على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام. ولقد أحسن من قال في هذه الآية:
إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداء: لم أذنت لهم؟ لتفطر قلبه عليه الصلاة والسلام، فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام.
(٢) . قوله «ومعناه أخطأت وبئس ما فعلت» خاطب الله رسوله خطاب الرقة والرأفة، وفسره المصنف بخطاب الغلظة والقسوة، وشتان ما بينهما. (ع)
(٣) . عاد كلامه. قال: وقوله لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ- إلى قوله- إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ … الآية قال: معناه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا … الخ» قال أحمد: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدى إليه معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما، فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات الله على خليله وسلامه لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه، أنه كان لا يتعاطى شيأ من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم، فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة، فقال تعالى فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أى ذهب على خفاء منهم كيلا يشعروا به، والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة، فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة وأولو الفتوة، وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين التثاقل عن المبادرة إليه بعد الحض عليه والمناداة، وأسوأ أحوال المتثاقل- وقد دعى الناس إلى الغزاة- أن يكون متمسكا بشعبة من النفاق نعوذ بالله من التعرض لسخطه.