للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيل أراه إياهم فى نومه- صلّى الله عليه وسلّم- بوصف القلّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم.

وقيل أراه فى منامه أي فى محل نومه أي فى عينيه، فمعناه قلّلهم فى عينيه لأنهم لو استكثروهم لفشلوا فى قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوب المسلمين.

وفى الجملة أراد الله جريان ما حصل بينهم من القتال يوم بدر، وإنّ الله إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه فقلّل الكفار فى أعين المسلمين فزادوا جسارة، وقلّل المسلمين فى أعين الكفار فازدادوا- عند نشاطهم إلى القتال- صغرا فى حكم الله وخسارة.

والله «عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» : وكيف لا؟ ومنه تصدر المقادير، وإليه ترجع الأمور.

ويقال إذا أراد الله نصرة عبد فلو كاد له جميع البشر، وأراده الكافة بكل ضرر، لا ينفع من شاء مضرّته كدّ، ويحصل بينه «١» وبين متاح لطفه به سدّ.

وإذا أراد بعبد سوءا فليس له ردّ، ولا ينفعه كدّ، ولا ينعشه بعد ما سقط فى حكمه جهد.

قوله جل ذكره:

[[سورة الأنفال (٨) : آية ٤٥]]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)

أراد إذا لقيتم فئة من المشركين فاثبتوا. والثبات إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها منه، فعند ذلك يستسلم لله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حسن الإعانة، ولهذا أحالهم على الذكر فقال:

«وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً» .

ويقال إنّ جميع الخيرات فى ثبات القلب، وبه تبين أقدار الرجال، فإذا ورد على الإنسان خاطر يزعجه أو هاجس فى نفسه يهيجه.. فمن كان صاحب بصيرة توقف ريثما


(١) الضمير فى (بينه) يعود على الضرر أو من شاء الضرر، والضمير في (به) يعود على العبد المنصور.

<<  <  ج: ص:  >  >>