للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فليس له حقّ الردّ قال تعالى: «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «١» .

ويقال من اشترى شيئا فوجد به عيبا ردّه على من منه اشتراه ولكنه- سبحانه- اشترى نفوسنا منه، فإذا أراد الردّ فلا يردّ إلا على نفسه قال تعالى: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» وكما أنّ الردّ إليه فلو ردّنا كان الردّ عليه.

قوله تعالى: «التَّائِبُونَ» أي الراجعون إلى الله، فمن راجع يرجع عن زلّته إلى طاعته، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق فى حقائق حقّه.

ويقال تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله فيجد غدا فنون أفضاله، وصنوف لطفه ونواله، وتائب يرجع عن كل غير وضد إلى ربّه بربّه لربّه بمحو كلّ أرب، وعدم الإحساس بكلّ طلب.

وتائب يرجع لحظّ نفسه من جزيل ثوابه أو حذرا- على نفسه- من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لمّا سمع أنه قال: إنّ الله أفرح بتوبة عبده من الأعرابى الذي وجد ضالّته- كما فى الخبر، وشتّان ما هما! وأنشدوا:

أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا

وأمّا قوله «الْعابِدُونَ» : فهم الخاضعون بكلّ وجه، الذين لا تسترقّهم كرائم الدنيا، ولا تستعبدهم عظائم العقبي. ولا يكون العبد عبد الله- على الحقيقة- إلا بعد تجرّده عن كل شىء حادث. وكلّ أحد فهو له عبد من حيث الخلقة قال تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» «٢» . ولكنّ صاحب العبودية خاصّ، وهو عزيز.


(١) آية ٣٢ سورة الدخان.
(٢) آية ٩٣ سورة مريم.

<<  <  ج: ص:  >  >>