للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخلق من أجل إصلاح قلبه. ولا يحب اطّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله. ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من حاله. لأن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم. وليس هذا من أخلاق الصدّيقين. و (صدق الأحوال) اجتماع الهم على الحق، بحيث لا يختلج في القلب تفرقة عن الحق بوجه.

وقوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء. وفيه تبعيد عما نسب إليهما.

قال الزمخشريّ: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة، مع شهوة وقرم وغير ذلك ... مما يدل على أنه مصنوع مؤلّف مدبّر كغيره من الأجسام.

[لطيفة:]

إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى، حاجتهما للطعام عما قبله من مساواتهما للرسل عليهم السلام، ترقيا في باب الاستدلال من الجليّ للأجلى، على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلّم في الجليّ لغموضه عليه، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته. فيضطر للتسليم، إن لم يكن معاندا ولا مكابرا.

هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير.

وأما قول الخفاجيّ- ملخصا كلام البيضاويّ- في سر ذلك: أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ. حيث قدم العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم انتهى- فبعيد.

وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، والله أعلم بأسرار كتابه.

انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي: على توحيد الله، وبطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه، وبطلان شبهاتهم! ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان.!

قال أبو السعود: وتكرير الأمر بالنظر، للمبالغة في التعجيب من حال الذين

<<  <  ج: ص:  >  >>