فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أرقاءكم أرقاءكم.. أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه، فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم «138» .

أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أن كلّ مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلغت؟

وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات) » «139» .

ثم لم يزل النبي صلّى الله عليه وسلم في عرفات حتى غربت الشمس، وحينئذ دفع بمن معه إلى المزدلفة، وهو يشير بيده اليمنى قائلا: «أيها الناس، السكينة، السكينة» ، فصلى في المزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير، وبات تلك الليلة في المزدلفة ثم دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (أي تتمة المئة) . ثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه «140» . ثم قفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عائدا إلى المدينة.

[العبر والعظات:]

أولا- عدد حجات الرسول صلّى الله عليه وسلم وزمن مشروعية الحج:

اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم غير هذه الحجة في الإسلام؟

فقد روى الترمذي وابن ماجه أنه صلّى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج.

فإنهم قدموا أولا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثا فبايعوا البيعة الثانية «141» . ومنهم من روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وأيّا ما كان


(138) هاتان الفقرتان جاءتا في رواية ابن سعد في الطبقات.
(139) نقلنا نص هذه الخطبة من صحيح مسلم، وأضفنا إليها زيادة جاءت في البخاري هي: «وستلقون ربكم..» إلى «من سمعه» كما أضفنا إليها زيادات بسيطة أخرى وردت في ابن إسحاق وطبقات ابن سعد وغيرهما.
(140) من حديث جابر في صفة حجته صلّى الله عليه وسلم، رواه مسلم وغيره.
(141) انظر فتح الباري: 8/ 74

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير