للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أميّة، وقد اقتضى ذلك أن يعزل عددا من الصحابة من وظائفهم ليحلّ محلّهم من يفضله من ذوي قرابته. وقد جرّت عليه هذه السياسة نقمة كثير من الناس، وكان ذلك هو المنطلق والمعتمد الأول لليهودي المعروف عبد الله بن سبأ وأعوانه، في بثّ أسباب الفتنة وإيقاد نيرانها.

وروى ابن كثير ما خلاصته أن جمهورا من أهل الكوفة ثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألبوا عليه، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتوظيف جماعة من بني أمية في مكانهم. فدخلوا عليه وأغلظوا عليه في القول.. فشقّ ذلك على عثمان وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده يستشيرهم. فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة.. وأدلى كلّ برأيه. وانتهى عثمان من استعراض الآراء ومناقشتها إلى إبقاء عمّاله كلّ على عمله الذي هو فيه، وأن يتألف قلوب الثائرين والمتألّبين عليه بالمال، وأمر بهم فبعثوا إلى الغزو والثغور «٢» .

نشأ على أعقاب ذلك بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلّبون الناس على عثمان وينكرون عليه الكثير من أعماله، وذلك بعدما عاث عبد الله بن سبأ فسادا بمصر، فاستنفر نحوا من ست مئة راكب متجهين إلى المدينة في صفة معتمرين، وإنما قصدهم أن يثيروا فتنة في داخل المدينة. ولما اقتربوا من المدينة أمر عثمان عليّا أن يخرج إليهم فيكلّمهم ويردّهم إلى بلادهم، فانطلق إليهم علي رضي الله عنه وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره إذ كان قد عبث عبد الله بن سبأ بعقولهم عبثا منكرا وملأها بما شاء من الخرافة والزيغ، فردّهم عليّ رضي الله عنه وأنّبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الخليفة بسببه وتحتجون به عليه؟! .. ثم إنهم رجعوا خائبين من حيث أتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا قد أمّلوا وراموا.

ولما رجع عليّ على عثمان، أخبره برجوعهم، ثم أشار عليه أن يخطب في الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان قد وقع منه من الأثرة لبعض أقاربه، وأن يعلن لهم أنه قد تاب من ذلك.

فقبل عثمان مشورته، وخطب الناس يوم الجمعة، وقال فيما قال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، واستعبر باكيا، وبكى المسلمون أجمعون.. وعاد فأكّد لهم نزوعه عما نقم الناس عليه من أجله، وأنه سينحي عنهم مروان وذويه.

ولكن مروان بن الحكم دخل عليه بعد ذلك عاتبا بل ناقما، وقال له فيما قال: لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنّع منيع، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت حين


(٢) البداية والنهاية: ٧/ ١٦٧، وتاريخ الطبري: ٤/ ٣٣٣

<<  <   >  >>