<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[مقدمة الطبعة الثانية]

1- هذه الطبعة الثانية لكتاب فقه السّيرة، أقدمها إلى الذين تعنيهم دراسة سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلم، ويهمهم الوقوف على فقه السّيرة ودروسها وعظاتها، بعد أن زدت في كثير من أبحاثه، وعدت بالتهذيب والتنقيح إلى بعض فصوله، رجاء أن يزداد الكتاب بذلك قربا إلى الكمال، مع اليقين بأن الكمال المطلق غاية لا تدرك، والعصمة من الزلل مستوى لا يصار إليه، اللهم إلا ما أكرم الله به من ذلك أنبياءه المقربين، فتلك مزية لهم لم تعط لغيرهم، وإنما أكرمهم الله بها لكي يتضح للناس الفرق بين من يعمل عقله في المسائل تأملا واجتهادا، وبين من أرشده الله إلى الحق فيها وحيا وإلهاما، مع ما أولاهم من العقل الكامل والبصيرة النيرة الصافية.

2- وما كنت أتوقع، يوم ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب أن تنفد نسخها في هذه المدة اليسيرة، وأن تجد ما وجدته من الإقبال في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وإن كنت أعلم أنني قد سلكت في كتابة السّيرة النّبوية والتعليق عليها مسلكا من شأنه أن يصحح أغلاط كثير ممن كتبوا فيها في هذا العصر، وأن يميط الغشاء عن المغالطات التي كانت ولا تزال تدسها أقلام كثير من الكاتبين والمستشرقين والمستغربين وهي أغلاط ومغالطات قامت لتغذيتها ورعايتها وترويجها مدرسة فكرية معينة نشأت في أواخر القرن التاسع عشر وراحت تمد من آثارها وظلالها، إلى أيامنا هذه.

3- ولقد أدركت، مما بلغني من حمد القراء للطريقة التي كتبت بها هذه الفصول، أن تلك المدرسة لم تعد تخدع إلا قلة من بقايا المفتونين باسمها واسم مؤسسيها ودعاتها، وأن الحقائق الناصعة في حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام تظل هي المشرقة السائدة، ويظل العقل الحر نزاعا إليها موقنا بها غير مطمئن إلى أي تأويل أو تحليل يهدف إلى تحويرها أو التلاعب بها.

4- ولقد علم عامة الباحثين والمفكرين أن من أهم أسباب نشأة تلك المدرسة في حينها، ذلك الانبهار الذي أصيب به كثير من العقول العربية المسلمة من أنباء النهضة العلمية في أوربا. فقد راحت تلك العقول تتوهم- تحت تأثير ذلك الانبهار- أنه ليس بين المسلمين وبين أن ينهضوا مثل تلك النهضة إلا أن يفهموا الإسلام هنا كما فهمت أوربا النّصرانية هناك، وأن يضعوا حقائق الإسلام الغيبية من وراء اكتشافات العلوم المادية، فلا يؤمنوا بغيب لم يدركه علم، ولا يعرجوا على معجزة لم يؤيدها اكتشاف أو اختراع. فإذا فعلوا ذلك نهضوا نهضة أوربا في علومها ولحقوها في رقيها وفنونها.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير