فصول الكتاب

<<  <   >  >>

العذاب والألم سيرا في الطريق ودنوا من النصر. وسينصرن الله هذا الدين حتى يسير الرجل من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله» وفي رواية بزيادة: «والذئب على غنمه» .

وهذا المعنى نفسه هو السر في أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بشّر أصحابه بأن الله سيفتح لهم بلاد الفرس والروم، ومع ذلك فلم تفتح عليهم هذه البلاد إلا بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلم بزمن غير يسير ولقد كان من مقتضى فضل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عند ربه ومدى محبة الله عز وجل له، أن تفتح كل تلك البلاد في حياته وبقيادته وتحت إشرافه، بدلا من أن يسجل التاريخ فتحها بقيادة أحد أتباعه.

لقد كان هذا قريبا من مقتضى محبة الله لرسوله، لولا أن النصر مرتبط بالقانون الذي ذكرناه.

لم يكن المسلمون في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم قد دفعوا، من أجل انتصارهم في بلاد الشام والعراق، أقساط الثمن كله. ولا بد قبل النصر من دفع كامل الثمن. لا بدّ من ذلك ولو كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم موجودا بينهم. وليست المسألة أن ترتبط الفتوحات باسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتتم بقيادته وتحت إشرافه من أجل عظيم محبة الله تعالى له. ولكن المسألة هي أن يبرهن المسلمون الذين بايعوا الله ورسوله على صدقهم في هذه المبايعة، وأن يصدقوا فيما عاهدوا الله عليه يوم أن وقعوا بالقبول والرضا تحت قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة 9/ 111] .

[سياسة المفاوضات]

جاء في ما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدا ذا بصيرة ورأي في قومه- قال في نادي قريش: «يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلّمه، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم.. فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمع.

قال يا بن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير