للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ضيقة، وبضحايا يسيرة، وظل يحاصرهم خمس عشرة ليلة. ثم بدا له أن يدعهم وشأنهم، وأشار على المسلمين بذلك، فرغبوا أولا في إطالة حصارها حتى تفتح عليهم، ثم نزلوا أخيرا على رأيه.

وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار نوفل بن معاوية فقال: «يا نوفل! ما ترى في المقام عليهم؟» فقال: يا رسول الله! ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرّك «١» ! فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب: أن يؤذّن في الناس بالرحيل «٢» .

فلما قفلت بهم المطايا، قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا» «٣» !.

ولم يطل بقاء ثقيف على شركها، فما هي إلا شهور قلائل حتى أرسلوا وفدهم إلى المدينة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم برغبتهم في الإسلام، وانفساح قلوبهم له.

[إلى دار الهجرة:]

عاد المسلمون من الطائف إلى مكة، لا ليعاودوا المقام فيها بعد أن فتحها الله عليهم، بل لينظّموا أمورها ثم يرتحلوا إلى مهجرهم الخالد ...

إن صلتهم بالمدينة أضحت من العمق والقوة بحيث لا يرجحها وطن قديم ولا ذكريات عزيزة.

روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فتهامسوا فيما بينهم: أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله! فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم!» «٤» .


(١) ضعيف جدا، رواه الواقدي كما في (البداية) : ٤/ ٣٥٠، وهو متهم بالكذب.
(٢) ضعيف ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٠٣، عن ابن إسحاق بلاغا، ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وهو مع إرساله ضعيف.
(٣) ضعيف، أخرجه الترمذي: ٣/ ٣٧٩، عن أبي الزبير عن جابر، وقال: «حديث حسن صحيح» ؛ قلت: أبو الزبير مدلس، وقد عنعنه؛ وقد تابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد: ٣/ ٣٤٣، ولكنه لم يسمع من جابر: كما قال ابن معين.
(٤) حديث صحيح، رواه بهذا السياق ابن هشام بلاغا؛ ووصله مسلم: ٥/ ١٧٠- ١٧١، وغيره من حديث أبي هريرة نحوه. فتصديره بلفظ: (روي) غير جائز.

<<  <   >  >>