للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يبين أن أهل مكة يدركون طموح محمد صلّى الله عليه وسلم ويريدون اللعب على هذا الوتر.

وعلى أية حال، فان رفض محمد صلّى الله عليه وسلم لعروضهم هذه والاتجاه العام لمسلكه فى مكة، يجعل من غير المحتمل أن يكون الطموح السياسى كان من بين دوافعه المسيطرة. والقران الكريم يكرر باصرار المرة تلو المرة أن محمدا مجرد نذير. وذلك يعنى أن مهمته- ببساطة- هى أن يحذر الناس أو ينذرهم من حساب يعقبه نعيم أو عذاب. كيف استجابوا لهذا التحذير؟ تلك مسئوليتهم. لقد أنذرهم محمد صلّى الله عليه وسلم وانتهى الأمر! وفى احدى الايات ما يشير الى أن محمدا ليس عليهم بمسيطر «٨١» أى أنه ليس حاكما لهم يملك الأمر والنهى. بل وثمة اصرار أبعد من هذا وهو أن محمدا صلّى الله عليه وسلم- مثله مثل الأنبياء الاخرين- لا يريد أى أجر أو مكافأة من البشر وانما ينتظر ثوابه من الله سبحانه فحسب، ولا شك أن التركيز على هذه المعانى يعد بمثابة الرد على اتهامه بأنه يبتغى تحقيق مصالح لشخصه «٨٢» . وأخيرا، فهناك ايتان يرجع تاريخ نزولهما فيما يظهر الى بداية الحقبة المدنية تشيران الى قبول فكرة القيادة السياسية التى خولها الله سبحانه لمحمد صلّى الله عليه وسلم:

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٤) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٥) ..)

السورة ٢٨ (القصص) «٨٣» .

رغم أن هاتين الايتين تشيران الى موسى عليه السلام وقومه الذين أذلهم فرعون، فليس هناك شىء متناقض فى مثل هذا الاتجاه، فوفقا لما ورد فى القران فان محمدا مقتنع تماما أن مهمته الأولى والأساسية هى مهمة دينية وتتمثل هذه المهمة فى أنه نذير، لكن هذه المهمة الدينية بالنسبة لأهل مكة تنطوى على مضامين سياسية، وعندما تطورت الأحداث كان تحويل هذه المضامين السياسية الى أفعال سياسية أمرا ضروريا فلم


(٨١) ٨٨/ ٢٢.
(٨٢) ٣٨/ ٨٦-، ٣٦/ ٢٠، ١١/ ٣.. الخ.
(٨٣) فى سياق قصة موسى عليه السلام.

<<  <   >  >>