للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عام يظهرون اهتماما فائقا بمحمل الحج، ويحتفلون لذلك، ويدورون به في شوارع القاهرة قبل خروجه إلى مكة المكرمة، مملوآ بالأموال وكسوة الكعبة والإعانات لأهلها «١» ، فيضفون على الحج هالة من القداسة، ويثيرون شوق الناس إلى تأديته، ويحركون كوامن نفوس الشعراء الذين ينظمون قصائد التشوق للمقدسات، وقصائد مديح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل قول نجم الدين القحفازي «٢» معبرا عن عواطفه الدينية حين رأى موكب الحج قادما من الحجاز:

يا نياق الحجيج لا ذقت سهدا ... بعدها لا ولا تجشّمت وخدا

لا فدينا سواك بالرّوح منّا ... أنت أولى من بات بالرّوح يفدى

مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بوجوه رأت معالم سعدى «٣»

ويظهر أن الحديث في هذا العصر حول زيارة قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد اتسع، وتباينت آراء رجال الدين حولها، فمنهم من جعلها قريبة من الفرض، ومنهم من جعلها سنّة محمودة، ومنهم من أنكر التوسل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند زيارته، وطالب بأن يتوجه الناس بالدعاء إلى الله- تعالى- مباشرة، لكن جميع المسلمين اتفقوا على تعظيم النبي الكريم وتبجيله، وتفضيله على الناس أجمعين، فقيل في ذلك: «اعلم أن زيارة قبره الشريف صلّى الله عليه وسلّم، والسفر إليه من أحسن وجوه تعظيمه المتّفق على مشروعيته، وهي مع ذلك من أكبر أنواع التوسل به صلّى الله عليه وسلّم إلى الله- تعالى- لقضاء الحاجات الدنيوية والآخروية» «٤» .

إلا أن منتقدي طريقة زيارة قبر رسول الله والتوسل به لم يرضوا عن ذلك، فألّف


(١) المقريزي: السلوك ١/ ١١٧٧.
(٢) نجم الدين القحفازي: علي بن داود بن يحيى، شيخ أهل دمشق في عصره، وخاصة في العربية، له النظم والنثر والكتابة الفائقة، درّس وخطب، وكان يعرف الأسطرلاب ويحل التقاويم، توفي سنة (٧٤٤ هـ) .
(٣) ابن شاكر: فوات الوفيات ٣/ ٢٥.
(٤) النبهاني: شواهد الحق ص ٣٠.

<<  <   >  >>