للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإنما يستعمل الكى فى الخلط الباغى الذى لا تحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه- صلى الله عليه وسلم- ثم نهى عنه «١» ، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول فى أمثلتها: آخر الدواء الكى. والنهى فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.

وقال ابن قتيبة: الكى نوعان: كى الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذى قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثانى: كى الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذى شرع التداوى له، فإن كان الكى لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.

وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهى عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء. وقال بعضهم: إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذى يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.

قال فى فتح البارى: ولم أر فى أثر صحيح أن النبى- صلى الله عليه وسلم- اكتوى، إلا أن القرطبى نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبرى أن النبى- صلى الله عليه وسلم- اكتوى، وذكره الحليمى بلفظ: وروى أنه أكوى للجرح الذى أصابه بأحد.

قال الحافظ ابن حجر: والثابت فى الصحيح فى غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه. وليس هذا الكى المعهود.


(١) صحيح: وهو يشير إلى الحديث الذى عند البخارى (٥٦٨٠ و ٥٦٨١) فى الطب، باب: الشفاء فى ثلاث.