للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خلقى فحسن خلقى» «١» . أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم فى حديث دعاء الافتتاح: «واهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت» «٢» . ولما اجتمع فيه- صلى الله عليه وسلم- من خصال الكمال ما لا يحيط به حد، ولا يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه فى كتابه الكريم فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣» ، وكلمة «على» للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستول عليها.

والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، وقد وصف الله تعالى نبيه- صلى الله عليه وسلم- بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً

«٤» ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٥» . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمى: وإنما وصف خلقه بالعظم، مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقه- صلى الله عليه وسلم- مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا فى صدور الأعداء، منصورا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصف خلقه بالعظيم أولى ليشمل الإنعام والانتقام.

وقال الجنيد: وإنما كان خلقه- صلى الله عليه وسلم- عظيما لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى. وقيل: لأنه- صلى الله عليه وسلم- عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه. وقيل:


(١) صحيح: أخرجه أحمد فى المسند عن ابن مسعود، كما فى «صحيح الجامع» (١٣٠٧) إلا أنى لم أقف عليه فى المسند.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٧١) فى صلاة المسافرين، باب: الدعاء فى صلاة الليل وقيامه، من حديث على- رضى الله عنه-.
(٣) سورة القلم: ٤.
(٤) سورة النساء: ١١٣.
(٥) سورة القلم: ٤.