للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

رحلها. فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار «١» قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، فحبسها ابتغاؤه، فأقبل الرهط «٢» الذين كانو يرحلونها فاحتملوا هودجها «٣» ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللحم، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السنّ، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها، وليس بالمنزل داع ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطّل. فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان راها قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه «٤» ، وسترت وجهها بجلبابها «٥» فأناخ راحلته، وأركبها من غير أن يتكلّما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش، وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الافك، قالوا ما قالوا في عائشة وصفوان. والذي تولّى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ، ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا، والناس يفيضون «٦» في قول أهل الإفك. وهي لا تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقّة إذا مرضت، فلم يعطها نصيبا منها في هذا المرض، بل كان يمرّ على باب الحجرة لا يزيد على قوله: كيف حالكم؟

مما جعلها في ريب عظيم، فلما نقهت «٧» خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة «٨» أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مسطح في مرطها «٩» فقالت: تعس مسطح! فقالت عائشة: بئس ما قلت!!! أتسبيّن رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه «١٠» أولم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضا على مرضها، ولما جاءها عليه الصلاة والسلام كعادته، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها، فأذن لها، فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت با بنيّة هوّني عليك،


(١) الجزع: الخرز. وظفار: مدينة باليمن.
(٢) قوم الرجل وقبيلته ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة.
(٣) مركب النساء.
(٤) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٥) الجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار
(٦) أي يخوضون.
(٧) أي أفاقت من المرض.
(٨) رائطة بنت صخر وهي مشهورة بكذبها، أسلمت فحسن إسلامها، وكانت من أشد الناس على مسطح حين تكلم مع أهل الإفك.
(٩) وأحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها.
(١٠) أي هذه.

<<  <   >  >>