للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته، وتؤدته، ومروءته]

وأما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته، وتؤدته، ومروءته، وحسن هديه، فكان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه «١» ، وكان إذا جلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا «٢» . وكان كثير السكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، يعرض عمن تكلّم بغير جميل، وكان ضحكه تبسّما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم؛ توقيرا له، واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء، وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «٣» فيه الحرم، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطّير. وقال ابن أبي هالة: كان سكوته صلّى الله عليه وسلّم على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكّر. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلّى الله عليه وسلّم يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه «٤» ، وكان يحبّ الطيّب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرا، ويحضّ عليهما. ومن مروءته صلّى الله عليه وسلّم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب «٥» . والأمر بالأكل مما يلي «٦» . والأمر بالسواك «٧» وانقاء البراجم «٨» والرواجب «٩» .

[زهده ص في الدنيا]

وأما زهده عليه السلام في الدنيا فقد قدمنا لك فيه ما فيه الكفاية، وحسبك شاهدا على تقلّله منها، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفّي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله «١٠» . وهو يدعو ويقول: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» «١١» .


(١) حديث مرسل أسنده المصنف عن طريقة أبي داود في المراسيل. وفي إسناده عمرو بن عبد العزيز بن وهيب قال الحافظ في التقريب: مجهول (أوقر الناس) من الوقار: الحلم والرزانة.
(٢) رواه الترمذي.
(٣) لا ترمي بصريح ولا تذكر بقبيح.
(٤) رواه الشيخان.
(٥) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
(٦) رواه الشيخان.
(٧) رواه النسائي وأحمد وعبد الرزاق وغيره من حديث أبي هريرة وصححه ابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي وعلقه البخاري بصيغة الجزم وفي الصحيحين «مع كل صلاة» بدل «مع كل وضوء» وهو لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء.
(٨) جمع برجمة وهي مفصل الأصابع من ظاهر الكف.
(٩) رواه أحمد. والرواجب: مفاصل الأصابع من باطن الكف.
(١٠) رواه الشيخان.
(١١) رواه الشيخان وقوتا: هو كفايتهم من غير اسراف.

<<  <   >  >>