للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» ثم حتّم جلّ ذكره عدم اجابتهم بقوله وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ «٢» فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحقّ لما تأخّروا عمّا طلب منهم مع سهولته وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنّى ذلك ولو نطقا باللسان. وقد تبيّن الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد الله بن سلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القران بعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم عدوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فبئسما اشتروا لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٣» .

[المنافقون]

وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفا على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الذي كان مرشحا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا شكّ أن ضرر المنافقين أشدّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارا، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيرا ما كان يتغيب عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يعهد أنه ولّى رجلا ممّن عهد عليه النفاق، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو ولّوا عملا، فإنهم بلا شكّ يتّخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهمّ لرؤساء الإسلام يعلّمهم أنهم لا يثقون في الأعمال المهمّة إلّا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد.


(١) سورة البقرة اية ٩٤.
(٢) سورة التوبة اية ٣٢.
(٣) سورة البقرة اية ٥٩.

<<  <   >  >>