فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تمّت مروءتكم و ... ناغى عزكم غلب الجبال

ولقد تبين عدل حكمك ... فِيهِمُ فِي كُلِّ مَالِ

هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ جرير هَذَا مِنْ شِعْرِ سَحْبَانَ وَائِلٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ في منظمه أن سحبان وائل مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ فاللَّه أَعْلَمُ.

مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى نَفَقَاتِ الْجُنْدِ حِينَ بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فَلَمَّا خَلَعَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَلَعَهُ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ هَرَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا أَنْ يَبْعَثَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَعِيدٌ هَرَبَ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَحُجُّ، ثُمَّ إِنَّهُ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ وَلِيَهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى سَعِيدٍ بِالْهَرَبِ مِنْهَا فَقَالَ سَعِيدٌ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ مما أَفِرُّ وَلَا مَفَرَّ مِنْ قَدَرِهِ؟ وَتَوَلَّى عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ بَدَلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَعَلَ يَبْعَثُ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أصحاب ابن الأشعث من الْعِرَاقِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي الْقُيُودِ، فَتَعَلَّمَ مِنْهُ خالد بن الوليد الْقَسْرِيُّ فَعَيَّنَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ مَكَّةَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدَ بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق ابن حبيب. ويقال إن الحجاج أرسل إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بِمَكَّةَ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ، فَبَعَثَ خَالِدٌ بِهَؤُلَاءِ إِلَيْهِ ثُمَّ عَفَا عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثَ بِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا طَلْقٌ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد ابن جبير فلما أوقف بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ أَلَمْ أُشْرِكْكَ فِي أَمَانَتِي! أَلَمْ أَسْتَعْمِلْكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ أَلَمْ أَفْعَلْ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: نَعَمْ، حَتَّى ظَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَيُخْلِي سَبِيلَهُ، حتى قال له: فما حملك على الخروج عَلَيَّ وَخَلَعْتَ بَيْعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ أَخَذَ مِنِّي الْبَيْعَةَ عَلَى ذَلِكَ وَعَزَمَ عَلَيَّ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ غضبا شديدا وانتفخ حتى سقط طرف رِدَائِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَقَالَ لَهُ:

وَيْحَكَ أَلَمْ أَقْدَمْ مَكَّةَ فَقَتَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَخَذْتُ بَيْعَةَ أَهْلِهَا وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟

قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ فَجَدَّدْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيْعَةَ فَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لَهُ ثَانِيَةً؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ فَتَنْكُثُ بَيْعَتَيْنِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَفِي بِوَاحِدَةٍ لِلْحَائِكِ ابْنِ الْحَائِكِ؟ يَا حَرَسِيُّ اضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: فَضُرِبَتْ عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء، وقد ذكر الواقدي نحو هذا، وقال له: أما أعطيتك مائة ألف؟ أما فعلت أما فعلت.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ خَلَفَ بْنَ خليفة يذكر

<<  <  ج: ص:  >  >>