فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَأَنَّهُ الْأَشْهَبُ فِي ... الْنَّقْعِ إِذَا مَا رَكَضَا

يبدو كما تختلف الريح ... على جمر الغضا

فتحسب الريح أبد ... انظر أو غمضا [1]

أَوْ شُعْلَةُ النَّارِ عَلَا ... لَهِيبُهَا وَانْخَفَضَا

آهٍ لَهُ مِنْ بَارِقٍ ... ضَاءَ عَلَى ذَاتِ الْأَضَا

أَذْكَرْنِي عَهْدًا مَضَى ... عَلَى الْغُوَيْرِ وَانْقَضَى

فَقَالَ لي قلبي أ ... توصي حَاجَةً وَأَعْرَضَا

يَطْلُبُ مَنْ أَمْرَضَهُ ... فَدَيْتُ ذَاكَ الْمُمْرِضَا

يَا غَرَضَ الْقَلْبِ لَقَدْ ... غَادَرْتَ قَلْبِي غَرَضَا

لِأَسْهُمٍ كَأَنَّمَا ... يُرْسِلُهَا صَرْفُ الْقَضَا

فَبِتُّ لَا أَرْتَابُ فِي ... أَنَّ رُقَادِي قَدْ قَضَى

حَتَّى قَفَا اللَّيْلُ وَكَادَ ... اللَّيْلُ أَنْ يَنْقَرِضَا

وأقبل الصبح لأطراف ... الدجا مبيضا

وسل في الشرق على الغرب ... ضِيَاءً وَانْقَضَى

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وخمسمائة

في رجب منها أقبل العزيز من مصر ومعه عمه العادل في عساكر، ودخلا دِمَشْقَ قَهْرًا، وَأَخْرَجَا مِنْهَا الْأَفْضَلَ وَوَزِيرَهُ الَّذِي أَسَاءَ تَدْبِيرَهُ، وَصَلَّى الْعَزِيزُ عِنْدَ تُرْبَةِ وَالِدِهِ صلاح، وخطب له بدمشق، ودخل القلعة المنصورة في يوم وجلس في دار العدل للحكم والفصل، وكل هَذَا وَأَخُوهُ الْأَفْضَلُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ فِي الْخِدْمَةِ، وَأَمَرَ الْقَاضِيَ مُحْيِي الدِّينِ بْنَ الزَّكِيِّ بِتَأْسِيسِ المدرسة الْعَزِيزِيَّةِ إِلَى جَانِبِ تُرْبَةِ أَبِيهِ وَكَانَتْ دَارًا لِلْأَمِيرِ عِزِّ الدِّينِ شَامَةَ، ثُمَّ اسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ عَمَّهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ وَرَجَعَ إِلَى مِصْرَ يوم الاثنين تاسع شوال، والسكة والخطبة بدمشق له، وصولح الأفضل على صرخد، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته، وقد أتلف نفسه وملكه، وَمُلْكَهُ بِجَرِيرَتِهِ، وَانْتَقَلَ الْأَفْضَلُ إِلَى صَرْخَدَ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَخِيهِ قُطْبُ الدِّينِ.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ سَوْدَاءُ مُدْلَهِمَّةٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَمَعَهَا رَمْلٌ أَحْمَرُ، حَتَّى احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى السُّرُجِ بِالنَّهَارِ. وَفِيهَا وَلِيَ قِوَامُ الدِّينِ أَبُو طالب يحيى بن سعد بْنِ زِيَادَةَ كِتَابَ الْإِنْشَاءِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ بَلِيغًا، وَلَيْسَ هُوَ كَالْفَاضِلِ. وَفِيهَا دَرَّسُ مُجِيرُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمُبَارَكِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ فَاضِلًا مُنَاظِرًا.

وَفِيهَا قُتِلَ رَئِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ محمود بْنُ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الخجنديّ قتله ملك الدِّينِ سُنْقُرُ الطَّوِيلُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ زَوَالِ مُلْكِ أَصْبَهَانَ عَنِ الدِّيوَانِ.

وَفِيهَا مَاتَ

الْوَزِيرُ وَزِيرُ الْخِلَافَةِ.

مُؤَيِّدُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ

مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْقَصَّابِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَبِيعُ اللحم في بعض أسواق بغداد. فتقدم ابنه وساد أهل زمانه. توفى بهمدان وَقَدْ أَعَادَ رَسَاتِيقَ كَثِيرَةً مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، إِلَى دِيوَانِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ نَاهِضًا ذا همة وله صرامة وشعر جيد. وفيها توفى.


[1] كذا بالأصل، والبيت مضطرب.

<<  <  ج: ص:  >  >>