فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَذَلِكَ جَيَّشُ حَلَبَ وَغَيْرُهُ بِتَطَلُّبِهِ وَإِحْضَارِهِ إِلَى بَيْنِ يَدَيِ السُّلْطَانِ، فَسَعَوْا فِي ذَلِكَ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَعَجَزُوا عَنْ لِحَاقِهِ وَالدُّخُولِ وَرَاءَهُ إِلَى الْبَرَارِي، وَتَفَارَطَ الْحَالُ وَخَلَصَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ فَضَاقَ النِّطَاقُ وَتَعَذَّرَ اللِّحَاقُ.

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ

استهلت وسلطان المسلمين الملك الناصر حسن بن الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام الأمير سيف الدين استدمر أخو يلبغا البحناوي، وَكَاتِبُ السِّرِّ الْقَاضِي أَمِينُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ.

وَفِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ جَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الشَّيْخِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيِّ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ بِالْمَسْجِدِ الأقصى بعد صلاة الظهر، ودفن بمقبرة نائب الرحبة، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتٌّ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِالْقُدْسِ مُدَرِّسًا بِالْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَشَيْخًا بِدَارِ الْحَدِيثِ السُّكَّرِيَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ صَنَّفَ وَأَلَّفَ وَجَمَعَ وَخَرَّجَ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى بمعرفة الْعَالِيَ وَالنَّازِلَ، وَتَخْرِيجِ الْأَجْزَاءِ وَالْفَوَائِدِ، وَلَهُ مُشَارَكَةٌ قَوِيَّةٌ فِي الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَدَبِ وَفِي كِتَابَتِهِ ضَعْفٌ لَكِنْ مَعَ صِحَّةٍ وَضَبْطٍ لِمَا يُشْكِلُ، وَلَهُ عِدَّةُ مُصَنَّفَاتٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَفَهَا على الخانقاه السمساطية بدمشق، وقد ولى بعده التدريس بالصرخصية الخطيب برهان الدين ابن جَمَاعَةَ وَالنَّظَرَ بِهَا، وَكَانَ مَعَهُ تَفْوِيضٌ مِنْهُ مُتَقَدِّمُ التَّارِيخِ.

وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسِ مِنْ مُحَرَّمٍ احْتِيطَ عَلَى مُتَوَلِّي الْبَرِّ ابْنِ بَهَادُرَ الشيرجي وَرُسِمَ عَلَيْهِ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ اتُّهِمَ بِأَخْذِ مطلب من نعمان البلقاء هو وكحلن الْحَاجِبُ، وَقَاضِي حَسَّانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ مُرَافَعَةٌ مِنْ خَصْمٍ عَدُوٍّ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى رَجُلٍ يُزَوِّرُ الْمَرَاسِيمَ الشَّرِيفَةَ وَأُخِذَ بِسَبَبِهِ مُدَرِّسُ الصَّارِمِيَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ زَيْدٍ الْمَغْرِبِيِّ الشَّافِعِيِّ، وذكر عنه أنه يطلب مرسوما لمدرسة الاكرية، وَضُرِبَ أَيْضًا وَرُسِمَ عَلَيْهِ فِي حَبْسِ السَّدِّ، وَكَذَلِكَ حُبِسَ الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ مُتَوَلِّيَ الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ كَتَبَ لَهُ مرسوما شريفا بِالْوِلَايَةِ، فَلَمَّا فَهِمَ ذَلِكَ كَاتِبُ السِّرِّ أَطْلَعَ عَلَيْهِ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ فَانْفَتَحَ عَلَيْهِ الْبَابُ وَحُبِسُوا كُلُّهُمْ بِالسَّدِّ، وَجَاءَتْ كُتُبُ الْحُجَّاجِ لَيْلَةَ السَّبْتِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَأَخْبَرَتْ بِالْخِصْبِ وَالرُّخْصِ وَالْأَمْنِ وللَّه الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَخَلَ الْمَحْمَلُ بَعْدَ المغرب ليلة السبت الحادي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَجِيجُ بَعْدَهُ فِي الطين والرمض وَقَدْ لَقُوا مِنْ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ حَوْرَانَ عَنَاءً وَشِدَّةً، وَوَقَعَتْ جِمَالَاتٌ كَثِيرَةٌ وَسُبِيَتْ نِسَاءٌ كثيرة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156، وحصل للناس تَعَبٌ شَدِيدٌ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ قُطِعَتْ يَدُ

<<  <  ج: ص:  >  >>