للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

باب القول في أجناس الذّبّان

بسم الله، وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم، وعلى أبرار عترته الطيّبين الأخيار.

أوصيك أيّها القارئ المتفهّم، وأيها المستمع المنصت المصيخ، ألّا تحقر شيئا أبدا لصغر جثّته، ولا تستصغر قدره لقلّة ثمن.

٧٥٢-[دلالة الدقيق من الخلق على الله]

ثمّ اعلم أنّ الجبل ليس بأدلّ على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على الله من بدن الإنسان. وأنّ صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله.

ولم تفترق الأمور في حقائقها، وإنما افترق المفكّرون فيها، ومن أهمل النّظر، وأغفل مواضع الفرق، وفصول الحدود.

فمن قبل ترك النّظر، ومن قبل قطع النّظر، ومن قبل النظر من غير وجه النّظر، ومن قبل الإخلال ببعض المقدّمات، ومن قبل ابتداء النّظر من جهة النّظر، واستتمام النظر مع انتظام المقدّمات- اختلفوا.

فهذه الخصال هي جمّاع هذا الباب، إلّا ما لم نذكره من باب العجز والنقص، فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النّقصان الذي في الخلقة باب على حدة.

وإنما ذكرنا باب الخطأ والصّواب، والتّقصير والتكميل. فإياك أن تسيء الظّنّ بشيء من الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنّه مشنوء في العين، أو لأنّه قليل النّفع والرّدّ؛ فإنّ الذي تظّنّ أنّه أقلّها نفعا لعله أن يكون أكثرها ردّا، فإلّا يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. وثواب الدين وعقابه باقيان، ومنافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدّمت الآخرة على الأولى.

فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، وجاهلا بسبب المكانفة [١] ، أو


[١] المكانفة: المعاونة «القاموس: كنف» .

<<  <  ج: ص:  >  >>