للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ والانصداع، وما يحتاج الغراب إلى دليل.

وقال أبو دؤاد الإياديّ [١] : [من البسيط]

تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها ... نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا

ولو أنّ الله عزّ وجلّ أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت، وفي ذلك الوقت لو أنّ إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لا نتثر عامّة ما فيه، ولهلكت غلّات الناس. ولكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومة الغربان الكثيرة، ولا ترى على التي تليها غرابا واحدا، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرب [٢] لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ [٣] الشّوك.

٨٧٠-[حوار في نفور الغربان من النخل]

فإن قال قائل: إنما أشباح تلك الأعذاق المدلّاة كالخرق السّود التي تفزع الطير أن يقع على البزور، وكالقودام السّود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من الإبل، لكيلا تسقط عليها الغربان. فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما يفزع الطير من الخرق السّود.

قال الآخر: قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السّود فلا يسقط على البزور، يقع كله على النخل وعليه الحمل، وهل لعامّة الطيّر وكور إلا في أقلاب النّخل ذوات الحمل.

قال الآخر: يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل ولا أعذاق، وهذا الطير الذي يفزع بالخرق السّود إنّما خلقت ونشأت في المواضع التي لم تزل ترى فيها النّخيل والأعذاق. ولا نعرف لذلك علة سوى هذا.

قال الآخر: وكيف يكون الشأن كذلك ومن الغربان غربان أوابد بالعراق فلا تبرح تعشّش في رؤوس النّخل، وتبيض وتفرخ، إلّا أنّها لا تقرب النّخلة التي يكون عليها الحمل.


[١] ديوان أبي دؤاد ٣٠٨.
[٢] الكرب: أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكتف؛ واحدتها كربة. «اللسان:
كرب» .
[٣] المنتاخ: المنقاش، والنتخ: إخراج الشوك بالمنتاخ. «اللسان: نتخ» .

<<  <  ج: ص:  >  >>