للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معلوما فى النفس لا يقع فيه شك، فما هذا حاله أنت فيه بالخيار بين تأكيده وتركه، وثانيهما: أن يكون غير معلوم أو يكون مشكوكا فيه، وما هذا حاله فالأولى تأكيده، لإزالة احتماله، ثم التأكيد فى الضمائر بالإضافة إلى الاتصال والانفصال على أوجه ثلاثة، أولها تأكيد المنفصل بمثله، وهذا كقولك أنت أنت وأنا أنا.

قال أبو الطيب المتنبى «١» :

قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بشر الملك الهمام

فقوله أنت أنت من تأكيد المنفصل بمثله، وفائدته المبالغة فى مدحه بأبلغ ما يكون، فإنه لو مدحه بما شاء الله من الأوصاف الدالة على الثناء لما سدّ مسدّ قوله أنت أنت، كأنه قال أنت المشار إليه بالفضل دون غيره، فأما قوله وأنت منهم، فإنه وإن كان دالا على المدح، لكنه خارج عما نحن فيه من التأكيد وأراد وأنت من هذا القبيل، يريد مدح قبيلته بكونه منهم، فتأمل ما تضمنه هذا البيت من مدحه، ومدح القبيلة ومدح جده، وهذا من بدائع أبى الطيب ونفيس معانيه.

وثانيها تأكيد المتصل بمثله فى الاتصال ومثاله قولك: وإنك إنك لعالم، وكقوله تعالى فى سورة الكهف فى آية السفينة بعد المخالفة: قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢)

[الكهف: ٧٢] من غير تأكيد ثم قال فى آية القتل الثانية: قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ

[الكهف: ٧٥] بالتأكيد، والتفرقة بين الأمرين هو أنه أكد الضمير فى الثانية دون الأولى، لأن المخالفة فى الثانية أعظم جرما، وأدخل فى التعنيف لأجل الإصرار على المخالفة، فلهذا ورد العتاب مؤكدا بعد الخلاف لما ذكرناه.

وثالثها توكيد المتصل بالمنفصل ومثاله قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨)

[طه: ٦٧- ٦٨] فهذا التوكيد قد دل على طمأنينة نفس موسى، وعلى الغلبة بالقهر والنصر، وفى قوله: إنك أنت الأعلى، نهاية البلاغة، بدليل أمور ستة، أما أولا فإتيان «إن» المشددة فى أول الخطاب لتأكيد الأمر وتقدير ثبوته، وأما ثانيا فتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل مبالغة فى تخصيصه بالقهر والغلبة، وأما ثالثا: فالإتيان بلام التعريف فى قوله الأعلى، ولم يقل أعلى ولا عال؛ لأنها دالة على الاختصاص كأنه قال أنت الأعلى دون غيرك، وفيه تعريض بأمرهم، وتهكم بحالهم، وإبطال لما هم عليه من

<<  <  ج: ص:  >  >>