فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مصر، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه. أي بنيّ، انظر إلى عمّالك، فإن كان لهم عندك حقّ غدوة فلا تؤخرهم إلى عشية، وإن كان لهم عشية فلا تؤخرهم إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدّقوك في الحق. واستشر جلساءك وأهل العلم؛ فإن لم يستبن لك فاكتب إليّ يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى.

وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب «1» ، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفىء الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة «2» . ثم انظر إلى ذوي الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك وجلساءك؛ ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك.

[من معاوية إلى زياد في رجل فر إليه]

: قال أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن مجالد عن الشعبي، قال: قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية في شيء من السياسة إلا مرة واحدة، استعملت رجلا فكسر خراجه، فخشي أن أعاقبه ففرّ إليه واستجار به فأمنه؛ فكتبت إليه: إن هذا أدب سوّأ من قبلي. فكتب إليّ: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة، لا نلن جميعا فتمرح الناس في المعصية، ولا نستبد جميعا فنحمل الناس على المهالك. ولكن تكون أنت للشدة والغلظة وأكون أنا للرأفة والرحمة.

[ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم]

قالت الحكماء: أحزم الملوك من قهر جدّه هزله: وغلب رأيه هواه، وجعل له الفكر صاحبا يحسّن له العواقب، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده.

<<  <  ج: ص:  >  >>