للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الأقطاب والأبدال في الفكر الصوفي

[السُّؤَالُ]

ـ[سمعت وقرأت عن ما يسمى بالأبدال والأقطاب وغيرهم، هل هم فعلا موجودون بيننا؟

وهل حديث (لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم الأبدال) صحيح أم لا؟.]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

أولا:

الولاية عند أهل السنة هي التي عرَّفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، حيث قال تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس/٦٢-٦٤

فأعلنت الآية أن ولي الله هو المؤمن التقي، الذي يحب الله وينصره، ويسير في مرضاته، ويحفظ حدوده، ويقيم شريعته ودينه، وهو عبد من عباد الله، لا يخرج عن قهره وسلطانه، بل لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يعلم ما قدر الله له، فهذا هو ولي الله عند أهل السنة.

وطريق الولاية للعبد هو أن يقوم بأداء الفرائض، ثم يتدرج في أداء النوافل حتى يحبه الله تعالى، فإذا أحبه كان وليا حقا له جل وعلا، وقد جاء في الحديث الصحيح:

(إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبدًا دَعَا جِبرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ. قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبرِيلُ. ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القبُولُ فِي الأَرضِ) رواه مسلم (٢٦٣٧)

ثانيا:

أما الولاية في عرف التصوف البدعي فلها معنى آخر يختلف عما عند أهل السنة، فولي الله عندهم من اختاره الله، ولو لم يكن فيه من مواصفات الصلاح والتقوى ما يؤهله لحب الله له، إذ الولاية عندهم نوع من الوهب الإلهي دون سبب، وبغير حكمة، لذلك كانوا يعتقدون في بعض الظلمة والفسقة والمجانين وأهل الفجور أنهم من الأولياء بمجرد أن يظهر على أيديهم من خوارق العادات، مثل: ضرب الجسم بالسكاكين، واللعب بالحيات والنار وأمثال ذلك، حتى عَدُّوا في أوليائهم من يشرب الخمر ويزني، ويقولون: الولي الصادق لا تضره معصية أبدا.

ولم يكتفوا بهذا في تعريف الولاية، بل يقررون أن الولي يتصرف في الأكوان، ويقول للشيء كن فيكون، وكل ولي عندهم قد وكَّله الله بتصريف جانب من جوانب الخلق، فأربعة أولياء يمسكون العالم من جوانبه الأربعة، ويسمون الأوتاد، وسبعة أولياء آخرون كل منهم في قارة من قارات الأرض السبع، ويسمون الأبدال (لكونهم إذا مات واحد منهم كان الآخر بدله) ، وعدد آخر من الأولياء في كل إقليم، في مصر ثلاثون أو أربعون، وفي الشام كذلك، والعراق وهكذا، وكل واحد منهم قد أوكل إليه التصريف في شيء ما، وفوقهم جميعا ولي واحد يسمى القطب الأكبر أو الغوث، وهو الذي يدبر شأن الملك كله، وهكذا أسسوا لهم دولة في الباطن تحكم وتنفذ وتتحكم في شؤون الناس على منوال الدولة السياسية، وهذه الدولة يترأسها القطب أو الغوث، يليه الإمامان (وهما الوزيران) ، ثم الأوتاد الأربعة، ثم الأبدال السبعة.

هذه هي الولاية الصوفية، وهي لا تمت من قريب أو بعيد للولاية الإسلامية القرآنية، فالولي في الإسلام عبد هداه الله ووفقه وسار في مرضاة ربه حسب شريعته، وهو يخشى على نفسه من النفاق وسوء العاقبة، ولا يعلم هل يقبل الله عمله أو لا، وأما الولي الصوفي فقد أعطوه من خصائص الربوبية ما يتصرف به في جانب من جوانب الكون، ولا يلتزم بما شاء من شريعة الله، ويدخل الملائكة تحت مشيئته.

وأصل فكرة الولاية الصوفية مأخوذة من الفلسفة الإغريقية القديمة التي تقوم على فكرة تعدد الآلهة، وكان أول من وضع فكرة الولاية الصوفية في أواخر القرن الثالث الهجري هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي، الذي يسمونه (الحكيم) - وهو غير الإمام صاحب السنن المشهورة بسنن الترمذي - ثم بعد ذلك اشتهرت أقوالهم، وأصبحت كتب أئمتهم مليئة بهذه الأفكار والمصطلحات، ولو ذهبنا ننقل أقوالهم وأباطيلهم لطال بنا المقام، وحتى لا يظن أحد أننا نتجنى عليهم، فهذه أسماء بعض مراجعهم، وستجد أن ما ذكرناه أقل بكثير من شناعة أفكارهم، انظر "الفتوحات المكية" لابن عربي (٢/٥٣٧،٤٥٥) ، كتاب "اليواقيت والجواهر" لعبد الوهاب الشعراني (٢/٧٩) ، "المعجم الصوفي" لسعاد الحكيم (١٨٩-١٩١، ٩٠٩-٩١٣) ، وانظر من مراجع أهل السنة "الفكر الصوفي" للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (٣٤٣-٣٨٣)

ثالثا:

الحديث الذي ذكره السائل الكريم حديث ضعيف، لا يصح بوجه من الوجوه، ولم يرد من طريق صحيحة ذكر شيء من مراتب الولاية عند الصوفية.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في "المنار المنيف" (١٣٦) :

" أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرب ما فيها (لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر) ذكره أحمد، ولا يصح أيضا، فإنه منقطع " انتهى.

(وانظر تفصيل الأحاديث المروية ف ذلك وبيان نكارتها في "المقالات القصار" لأبي محمد الألفي (٦٩-٨١))

وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:

عن الحديث المروى فى الأبدال، هل هو صحيح أم مقطوع، وهل الأبدال مخصوصون بالشام أم حيث تكون شعائر الاسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال، بالشام وغيره من الأقاليم، وهل صحيح أن الولى يكون قاعدا فى جماعة ويغيب جسده، وما قول السادة العلماء فى هذه الاسماء التى تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة، ويقولون هذا غوث الأغواث، وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب العالم، وهذا القطب الكبير، وهذا خاتم الأولياء؟

فأجاب رحمه الله:

" أما الاسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة، مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه أسماء ليست موجودة فى كتاب الله تعالى، ولا هي أيضا مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف يحمل عليه، إلا لفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامى منقطع الإسناد عن على بن أبى طالب رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:

(إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال الأربعين رجلا، كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا) ، ولا توجد هذه الأسماء فى كلام السلف كما هي على هذا الترتيب، ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعانى عن المشائخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما، وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشائخ، وقد قالها إما آثرا لها عن غيره، أو ذاكرا، فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، ولا بملك مقرب، ولا نبى مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة، والثلاثمائة إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:

(وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه) وقال سبحانه وتعالى: (أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه) فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعده بوسائط من الحُجَّاب وهو القائل تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم، لا ظاهرا ولا باطنا، بهذه الوسائط والحجاب، فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما يقوله الظالمون علوا كبيرا، وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد فى كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين، لا يتم الإيمان إلا به، بل هذا الترتيب والأعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فى السابق والتالي والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذى ما نزل الله به من سلطان.

وأما الأوتاد فقد يوجد فى كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد، يعني بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله به، كما يثبت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان بدونه كان بحسبه، وليس ذلك محصورا فى أربعة ولا أقل ولا أكثر، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين فى أوتاد الأرض.

واما القطب فيوجد أيضا فى كلامهم: (فلان من الأقطاب) ، أو (فلان قطب) فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر، لكن الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح الدنيا والدين، دون مجرد صلاح الدنيا، فهذا هو القطب فى عرفهم.

وكذلك لفظ البدل، جاء فى كلام كثير منهم.

فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الإيمان كان بالحجاز وباليمن قبل فتوح الشام، وكانت الشام والعراق دار كفر، ثم لما كان فى خلافة علي رضي الله عنه، قد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: (تمرق مارقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ، فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام، ومعلوم أن الذين كانوا مع علي رضي الله عنه من الصحابة، مثل: عمار بن ياسر، وسهل بن حنيف ونحوهما، كانوا أفضل من الذين كانوا مع معاوية، فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال جميعهم، الذين هم أفضل الخلق، كانوا في أهل الشام، هذا باطل قطعا، وإن كان قد ورد فى الشام وأهله فضائل معروفة، فقد جعل الله لكل شىء قدرا، والكلام يجب أن يكون بالعلم والقسط.

والذين تكلموا باسم (البدل) فسروه بمعان، منها: أنهم أبدال الأنبياء، ومنها: أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا، ومنها: أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين، ولا بأقل ولا بأكثر، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض " انتهى باختصار من مجموع فتاوى ابن تيمية (١١/٤٣٣-٤٤٤)

رابعا:

جاء في كلام بعض السلف، وبعض أهل العلم المتأخرين إطلاق لفظ: (فلان من الأبدال) ، ومن ذلك ما جاء في "التاريخ الكبير" للبخاري (٧/١٢٧) في ترجمة فروة ب مجالد: " وكانوا لا يشكّون في أنه من الأبدال " انتهى، وقال الإمام أحمد كما في "العلل" للدارقطني (٦/٢٩) : " إن كان من الأبدال في العراق أحد، فأبو إسحاق إبراهيم بن هانئ " انتهى.

ولا يعنون به ما يريده المتصوفة في اصطلاحهم الباطني البدعي، وإنما يريدون المعنى اللغوي، فمن قيل فيه ذلك من أهل العلم فهو من ورثة الأنبياء بما معه من العلم الشرعي، فكأنه بدل عنهم في تبليغ الوحي وتعليمه الناس.

يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في "مجموع الفتاوى" (٤/٩٧) :

" وأما أهل العلم فكانوا يقولون هم الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا، وكانوا يقولون هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق، لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله وكفى بالله شهيدا " انتهى.

وانظر سؤال رقم (١٠٥٢٧)

والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>