<<  <  ج: ص:  >  >>

نصه: " لعل أبا حنيفة إنما قال بإحداثها في القرى التي ينفردون بالسكنى فيها على عادتهم في ذلك المكان، وغيره من العلماء يمنعها لأنها في بلاد المسلمين وقبضتهم، وإن انفردوا فيها فهم تحت يدهم فلا يمكنون من إحداث الكنائس لأنها دار الإسلام، ولا يريد أبو حنيفة أن قرية فيها مسلمون فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها. فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع وتكون الألف واللام في القرى التي جرت عادتهم بسكنهم فيها لاشتغالهم بأعمال المسلمين من الفلاحة وغيرها. أو لما يرجى من إسلامهم صاغرين باذلين للجزية، فإنا لو لم نبقهم في بلاد الإسلام لم يسمعوا محاسنه فلم يسلموا، ولو بقيانهم بلا جزية ولا صغار غروا وأنفوا، فبقيناهم بالجزية لا قصدا فيها بل في إسلامهم. ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام لا يقبلها لأن مدة الدنيا التي يرجى فيها إسلامهم فرغت والحكم يزول بزوال علته، فزوال حكم قبول الجزية بزوال علته وهو انتظار إسلامهم، وذلك حكم من أحكام شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وليس حكما جديدا، فإن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكما بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال السبكي: وبعد أن كتبت هذا وقفت على شرح " مجمع البحرين " لابن الساعاتي من كتب الحنفية فقال: " وهذا المذكور إنما هو في الأمصار دون القرى؛ لأن الأمصار محل إقامة الشعائر، وقال صاحب " الهداية ": والمروي في ديارنا يمنعون عن إظهار ذلك في القرى أيضا؛ لأن لها بعض الشعائر، والمروي عن صاحب الهداية - رحمه الله - في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارهم وقراهم، وفي " الكافي " من كتب الحنفية لحافظ الدين قريب من ذلك " اهـ. هكذا ذكر السبكي هنا.

وقد قال في موضع آخر من هذه الفتوى في الباب الذي عقده لما في هذا الباب

<<  <  ج: ص:  >  >>