للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع عليّ]

فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا، فانعقدت له البيعة. ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه. ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه (١) .


(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٥٥) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (أي يختبئ في بساتينها) فإذا لقوه باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه. فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم. . . فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع. فأقدم نبايعك. فبعث إليهم: وإني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر. فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. وأخرج الطبري (٥: ١٥٦) عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك. قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتد الناس عن علي. ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي. فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا. فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر. وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس -على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له. . . فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. . . فقال علي: دعوني والتمسوا غيري. . . فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد (أي يوم الجمعة) : فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، جاء علي حتى صعد المنبر فقال: ((يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر. فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد)) فقالوا ((نحن على ما فارقناك عليه بالأمس)) . وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.

<<  <   >  >>