<<  <  ج: ص:  >  >>

فقاعدة الشرع التي لا تنخرم هي وجوب الاجتماع، وبذل أسبابه ووسائله، والنهي عن الافتراق وسد ذرائعه ومفضياته، ولذلك من البصيرة أن يحتفظ الداعية في المسألة التي اجتهد فيها، وهو في بلد يعتمد خلاف ذلك، مما يسوغ فيه الخلاف، بل قد يحتفظ بما عنده، ولو كان مما لا يسوغ فيه الخلاف، من اختلاف التضاد، إذا كانت المخالفة تفضي إلى مفسدة راجحة، متحققة كانت أو مظنونة، خاصة إذا كان في بلد قد أوغل أهله في البدعة وفي التعصب لأصحاب المذاهب أو لأقوال الرجال.

ومن البصيرة في أبواب الفقه: أن يحتاط الداعية للعامة في الأشياء الجائزة لسد باب التساهل أو الخلل، وهذا هو منهج الأئمة رحمهم الله، ولعل من المناسب أن نضرب على ذلك مثالا:

فقد سئل مالك - رحمه الله - عن المرة الواحدة في الوضوء، قال: لا، الوضوء مرتان مرتان، أو ثلاث ثلاث، مع أنه لم يحد في الوضوء ولا في الغسل إلا ما أسبغ.

قال اللخمي رحمه الله: " وهذا احتياط وحماية؛ لأن العامي إذا رأى من يقتدي به يتوضأ مرة فعل مثل ذلك، وقد لا يحسن الإسباغ بواحدة، فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به " (1) .

[خطر الإفتاء بغير علم]

خطر الإفتاء بغير علم: ولا يضر الداعية أن يتوقف في المسائل المشكلة التي لم يتبين فيها وجه الصواب، أو لم يحضره الدليل، فلا شيء يعدل السلامة، فيسعه ما وسع غيره من أهل العلم، بل الجهابذة من العلماء كانوا يتوقفون في المسائل التي لا يحضرهم الدليل فيها، ويقولون: لا نعلم، وجعلوا من نصف العلم قول " لا أعلم " حتى إن التوقف في المسائل الفروعية مذهب مرتضى يذكره الفقهاء في كتب الخلاف.


(1) الموافقات للشاطبي (4 / 120) ، الذخيرة للقرافي (1 / 286) .

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير