تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[مقدمة]

مقدمة الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله عز وجل الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين (1) . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبعد:

فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن آثار الرسالة حدثت البدع والخرافات وفشا الجهل واشتدت غربة الدين وظن الناس أن ما وجدوا عليه آباءهم هو الدين وإن كان بعيدا عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلي الأرض من قائم لله بحجة وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن طائفة من المسلمين لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى، كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» قال المناوي في فيض القدير (2 / 281 -282) أي يقيض لها «على رأس كل مائة سنة» ) من الهجرة أو غيرها والمراد الرأس تقريبا، (مَنْ) أي رجلا أو أكثر، «يجدد لها دينها» أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم - قالوا: ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم، انتهى. وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فلا يزال - والحمد لله - فضل الله على هذه الأمة يتوالى بظهور المجددين عند اشتداد الحاجة إليهم، ومن هؤلاء المجددين: شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القرن السابع وأول الثامن، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، وقد أحببت في هذه العجالة أن أقدِّم بعض المعلومات عن هذين الإمامين وما قاما به من تجديد هذا الدين مما لا تزال آثاره باقية في هذه الأمة ولله الحمد والمنة، والقصد من ذلك تعريف من يجهل مجهود هذين الإمامين، والتنبيه للانتفاع بآثارهما والاقتداء بهما، والله الهادي على سواء السبيل.


(1) هذه خطبة الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية رأينا مناسبتها للموضوع فقدمناه بها.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير