<<  <   >  >>

[المبحث الأول توصيف الواقعة الإرهابية]

المبحث الأول

توصيف الواقعة الإرهابية إن من المقرر عقلًا وشرعًا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فتصور الأمور وبيان حقيقتها يعطي قناعة بمعرفتها ومن ثم إنزال الحكم المناسب لهذه الواقعة، وبما أن الإرهاب مصطلح حادث نُزّل في وقتنا الحاضر على نوع من القضايا تختلف وجهات النظر في تقرير وصفها ثم الحكم عليها فلا بد من التوصيف الشرعي الموضح لهذا المسمى، والإرهاب شأنه شأن كثير من القضايا التي ينبغي أن تكون لها الضوابط الشرعية واللغوية والقانونية بما يميز هذا المصطلح ويوضح ماهيّته.

فأهل اللغة: يقولون إن الإرهاب أصله من الفعل - رَهِبَ على وزن طَرِبَ - أي خاف، وأرهب: أي أخاف وأفزع (1) .

وأما أهل الاصطلاح الشرعي: فيرون أن الإرهاب هو: " العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغيًا على الإنسان في دينه ودمه وعقله وماله وعرضه، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور إخافة السبيل وقطع الطريق، وكل فعلٍ من أفعال العنف أو التهديد؛ يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر " (2) .

وأما أهل الاصطلاح القانوني: فيرى القانون المصري بأنه: " كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات أو بالمواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح " (3) .

وفي القانون الجزائري يُعرّف الإرهاب بأنه: (كل مخالفة تستهدف أمن الدولة والسلامة الترابية، واستقرار المؤسسات وسيرها العادي عن طريق أي عمل غرضه ما يأتي:

بث الرعب في أوساط السكان وخلق جو انعدام الأمن من خلال الاعتداء على الأشخاص، أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو المس بممتلكاتهم، عرقلة حركة المرور أو حرية التنقل في الطرق والساحات العمومية؛ الاعتداء على المحيط وعلى وسائل المواصلات والنقل والملكيات العمومية والخاصة، والاستحواذ عليها دون مسوغ قانوني، وتدنيس القبور أو الاعتداء على رموز الجمهورية؛ عرقلة عمل السلطات العمومية أو حرية ممارسة العبادة والحريات العامة وسير المؤسسات المساعدة للمرفق العام؛ عرقلة سير المؤسسات العمومية أو الاعتداء على حياة أعوانها أو ممتلكاتها، أو عرقلة تطبيق القوانين والتنظيمات) (4) .

وفي الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب عُرِّف الإرهاب بأنه: (كل فعلٍ من أفعال العنف أو التهديد به أيًّا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر) (5) .

وجاءت هذه الاتفاقية بتوصيف للجريمة الإرهابية على أنها أي جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذًا لغرض إرهابي في أيِّ من الدول المتعاقدة، أو على رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها يعاقب عليها قانونها الداخلي.

واستثنت من ذلك حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير، وفقًا لمبادئ القانون الدولي، ولا يعد من هذه الحالات كل عمل يمس بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية (6) .

ومما سبق يظهر لنا أن الإرهاب له توصيف حديث يراد به الأعمال المتصلة بالجور والاعتداء والظلم، وهو ما يقوم به المجرمون والمعتدون لترويع الآمنين، وإزهاق أرواح المسالمين، وزعزعة أمن المطمئنين بأي أسلوب وطريقة من فعل أو قول أو إجراء وهو ما قرره علماء الشريعة تحت مسمى" الإفساد في الأرض"، وهذا هو الوصف الذي طغى في هذا الزمن وأصبح مصطلحًا متعارفًا عليه وهو الذي يُعد جريمة يعاقب عليها من أسهم في تحقيقه في نفسه أو لدى الآخرين، وهو المقصود معنا في هذا البحث (7) .

وإذا ظهر هذا التوصيف والبيان لحقيقة الجريمة الإرهابية التي يراد إيجاد العلاج المناسب لها، فإن جهة التحقيق القضائي هي التي تقوم بهذا الإجراء على وفق ما جُعل لها من الصلاحيات المنصوص عليها في نظام الإجراءات الجزائية ومن ذلك التحقيق في الجرائم التي تقع ضمن اختصاصها والعمل على الاستدلال (8) للأمور التي ثبتت هذه الواقعة وتقرير وصفها الجرمي على وفق ما يأتي:


(1) لسان العرب مختار الصحاح والقاموس المحيط " مادة رهب.
(2) بيان المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الصادر في دورته (16) في عام 1422هـ.
(3) المادة 86 من قانون العقوبات المصري المعدل بالقانون رقم 97 لعام 1992م.
(4) المادة الأولى من المرسوم التشريعي الصادر عام 1992م الخاص بمكافحة التخريب والإرهاب.
(5) المادة الأولى من الباب الأول الفقرة الثانية، من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادرة عام 1998م.
(6) المادة الأولى والمادة الثانية من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادرة عام 1998م.
(7) إن مما لا يخفى ظهور كيد الكفار للإسلام وأهله، ولقد حرصوا في هذا الزمن بإلصاق هذه التهمة بهم قدر الإمكان وذلك سعيًا للإضرار بهم، وما لا شك فيه أن دين الإسلام دين العدل والخير، وأن ما يسعى له هؤلاء الأعداء إنما هو حقد وكيد دفين، وأن الممارسات الفردية الخاطئة تقع ولكنها لا يمكن أن تلصق بالأمة بأسرها، وأن ما يفعله هؤلاء الأعداء في الشعوب الإسلامية من القتل والتشريد والتعذيب والاعتداء هو الإرهاب الحقيقي وهو الظلم الجائر والتخويف المتسلط، فنسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم وأن يعز الإسلام والمسلمين.
(8) الدليل لغة: هو ما يستدل به ويصلح أن يكون دليلا لإثبات الوقائع لسان العرب 11 / 248.

<<  <   >  >>