للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[١٣] {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام: ١٣] أَيِ: اسْتَقَرَّ، قِيلَ: أَرَادَ مَا سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ، كَقَوْلِهِ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النَّحْلِ: ٨١] أَيِ: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ السُّكُونَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وقال مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: كُلُّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ فَهُوَ مِنْ سَاكِنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ وقيل: معناه: وله مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، {وَهُوَ السَّمِيعُ} [الأنعام: ١٣] لأصواتهم، {الْعَلِيمُ} [الأنعام: ١٣] بأسرارهم.

[١٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: ١٤] ؟ وَهَذَا حِينَ دُعِيَ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، رَبًّا وَمَعْبُودًا وَنَاصِرًا وَمُعِينًا؟ ، {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: ١٤] أَيْ: خَالِقِهِمَا وَمُبْدِعِهِمَا وَمُبْتَدِيهِمَا، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام: ١٤] أَيْ: وَهُوَ يَرزق وَلَا يُرزق، كَمَا قَالَ: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: ٥٧] {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} [الأنعام: ١٤] يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْإِسْلَامُ بِمَعْنَى الْاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أسلم أخلص، {وَلَا تَكُونَنَّ} [الأنعام: ١٤] يَعْنِي: وَقِيلَ لِي وَلَا تَكُونَنَّ، {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: ١٤]

[١٥] {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [الأنعام: ١٥] فَعَبَدْتُ غَيْرَهُ، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: ١٥] يَعْنِي عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

[١٦] {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ} [الأنعام: ١٦] يَعْنِي: مَنْ يُصرف الْعَذَابُ عَنْهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ (يَصْرِف) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: مَنْ يصرف الله عنه العذاب فَقَدْ رَحِمَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الياء وفتح الراء، {يَوْمَئِذٍ} [الأنعام: ١٦] يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: ١٦] أَيِ: النَّجَاةُ الْبَيِّنَةُ.

[١٧] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ} [الأنعام: ١٧] لا رافع، {لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} [الأنعام: ١٧] عَافِيَةٍ وَنِعْمَةٍ، {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: ١٧] من الخير والضر. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ، أَهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَارَ بِي مَلِيًّا ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يعرفْك فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلَتْ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، قد مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ الْخَلَائِقُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِمَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ جَهِدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ، مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خيرا كثيرا، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا» (١) .


(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١ / ٣٠٧، والترمذي في القيامة ٧ / ٢١٩ وقال حديث حسن صحيح.

<<  <  ج: ص:  >  >>