للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عباس: قال له ذلك حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَخْلِصْ دِينَكَ وَعِبَادَتَكَ لِلَّهِ، وقال عطاء: أسلم نفسك إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَوِّضْ أُمُورَكَ إِلَيْهِ، {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: ١٣١] أَيْ: فَوَّضْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

[١٣٢] {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: ١٣٢] معناه: ووصى بها إبراهيم وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: يعني كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله {يا بَنِيَّ} [البقرة: ١٣٢] مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} [البقرة: ١٣٢] اختار {لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة: ١٣٢] أَيْ: دِينَ الْإِسْلَامِ {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٢] مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ مُخْلِصُونَ، وَقِيلَ مُفَوِّضُونَ، وَالنَّهْيُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُهُوا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ تَرْكِ الْإِسْلَامِ مَعْنَاهُ: دَاوِمُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يُصَادِفَكُمُ الْمَوْتُ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

[١٣٣] قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} [البقرة: ١٣٣] يَعْنِي أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ يُرِيدُ مَا كُنْتُمْ شُهَدَاءَ حُضُورًا {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} [البقرة: ١٣٣] أَيْ: حِينَ قَرُبَ يَعْقُوبُ مِنَ الْمَوْتِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أَوْصَى بَنِيهِ بِالْيَهُودِيَّةِ؟ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِمَا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالنِّيرَانَ، فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: ١٣٣] وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَمًّا لَهُمْ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا كَمَا تُسَمِّي الخالة أما {إِلَهًا وَاحِدًا} [البقرة: ١٣٣] نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ، {إِلَهَكَ} [البقرة: ١٣٣] وَقِيلَ: نَعْرِفُهُ إِلَهًا وَاحِدًا، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٣]

[١٣٤] {تِلْكَ أُمَّةٌ} [البقرة: ١٣٤] جماعة، {قَدْ خَلَتْ} [البقرة: ١٣٤] مضت، {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: ١٣٤] مِنَ الْعَمَلِ، {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: ١٣٤] يَعْنِي: يُسْأَلُ كُلٌّ عَنْ عَمَلِهِ لَا عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ.

[١٣٥] {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: ١٣٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رؤساء يهود المدينة وفي نصارى أهل نجران وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَاصَمُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: نَبِيُّنَا مُوسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا التَّوْرَاةُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ، وَكَفَرَتْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى نَبِيُّنَا أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا الْإِنْجِيلُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ وَكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلَى دِينِنَا فَلَا دِينَ إِلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ} [البقرة: ١٣٥] يَا مُحَمَّدُ: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: ١٣٥] بل نتبع ملة إبراهيم {حَنِيفًا} [البقرة: ١٣٥] أراد به ملة إبراهيم الحنيف قال مجاهد: الحنيفة اتِّبَاعُ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنَ

<<  <  ج: ص:  >  >>