للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَيَمُوتُ وَيَهْلَكُ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَيَتَفَرَّقُ أَصْحَابُهُ وأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ شَابًّا وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ كَمَوْتِ أبيه، والمنون يَكُونُ بِمَعْنَى الدَّهْرِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمَوْتِ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يَقْطَعَانِ الأجل.

[٣١] {قُلْ تَرَبَّصُوا} [الطور: ٣١] انْتَظَرُوا بِيَ الْمَوْتَ، {فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: ٣١] مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله فيكم فتعذبوا يوم بدر بالسيف.

[قوله تعالى أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ] طَاغُونَ. . .

[٣٢] {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ} [الطور: ٣٢] عقولهم، {بِهَذَا} [الطور: ٣٢] وَذَلِكَ أَنَّ عُظَمَاءَ قُرَيْشٍ كَانُوا يُوصَفُونَ بِالْأَحْلَامِ وَالْعُقُولِ، فَأَزْرَى اللَّهُ بعقولهم حين لم تتم لَهُمْ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، {أَمْ هُمْ} [الطور: ٣٢] بل هم، {قَوْمٌ طَاغُونَ} [الطور: ٣٢]

[٣٣] {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} [الطور: ٣٣] أي تخلق الْقُرْآنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَالتَّقَوُّلُ: تكلف القول، ولا يستعمل ذلك إلا في الكذب وليس الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، {بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الطور: ٣٣] بِالْقُرْآنِ اسْتِكْبَارًا.

[٣٤] ثُمَّ أَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ فقال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: ٣٤] أي مثل القرآن في نظمه وَحُسْنِ بَيَانِهِ، {إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: ٣٤] أن محمدا تقوله من تلقاء نَفْسِهِ.

[٣٥] {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور: ٣٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ غَيْرِ رَبٍّ، وَمَعْنَاهُ: أَخُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ خَلَقَهُمْ فَوُجِدُوا بِلَا خَالِقٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ، لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخَلْقِ بِالْخَالِقِ من ضرورة الاسم، فلا بد له من خالق، فَإِنْ أَنْكَرُوا الْخَالِقَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوجَدُوا بِلَا خَالِقٍ، {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: ٣٥] لأنفسهم ذلك فِي الْبُطْلَانِ أَشَدُّ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ.

فَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ لَهُمْ خَالِقًا فَلْيُؤْمِنُوا بِهِ، ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو سليمان الخطابي.

قال الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ أَخُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُحَاسَبُونَ وَلَا يُؤْمَرُونَ؟ .

وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: أَخُلِقُوا عَبَثًا وَتُرِكُوا سُدًى لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ، فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَجِبْ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ أَمْرٌ؟

[٣٦] {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الطور: ٣٦] فَيَكُونُوا هُمُ الْخَالِقِينَ، لَيْسَ الْأَمْرُ كذلك، {بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطور: ٣٦]

[٣٧] {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} [الطور: ٣٧] قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ.

قَالَ مُقَاتِلٌ: أَبِأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيحُ رَبِّكَ بِالرِّسَالَةِ فَيَضَعُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا؟

قَالَ الْكَلْبِيُّ: خَزَائِنُ الْمَطَرِ وَالرِّزْقِ، {أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} [الطور: ٣٧] الْمُسَلَّطُونَ الْجَبَّارُونَ، قَالَ عَطَاءٌ: أَرْبَابٌ قَاهِرُونَ فَلَا يَكُونُوا تَحْتَ أَمْرٍ ونهي، ويفعلون ما شاءوا.

[٣٨] {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} [الطور: ٣٨] مَرْقًى وَمِصْعَدٌ إِلَى السَّمَاءِ، {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} [الطور: ٣٨] أَيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: ٧١] أي عليها، أي أَلَهُمْ سُلَّمٌ يَرْتَقُونَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ بِالْوَحْيِ، فهم متمسكون به كذلك؟ {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ} [الطور: ٣٨] إِنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ، {بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الطور: ٣٨] بحجة بَيِّنَةٍ.

[٣٩] {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطور: ٣٩] هَذَا إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ، كَقَوْلِهِ: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصَّافَّاتِ: ١٤٩]

[٤٠] {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا} [الطور: ٤٠] جُعْلًا عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، {فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [الطور: ٤٠] أثقلهم ذلك الغرم الذي تسألهم، فمنعهم ذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ.

[٤١] {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ} [الطور: ٤١] أَيْ عِلْمُ مَا غَابَ عَنْهُمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّ مَا يُخْبِرُهُمُ الرَّسُولُ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ بَاطِلٌ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: {نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: ٣٠] يَقُولُ: أَعِنْدَهُمْ عِلْمُ الْغَيْبِ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُوتُ قَبْلَهُمْ؟ {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: ٤١] قال القتيبي: فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَيْ يَحْكُمُونَ، وَالْكِتَابُ الْحُكْمُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا إِلَيْهِ: «أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» ، أَيْ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ أَمْ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مَا فِيهِ وَيُخْبِرُونَ النَّاسَ بِهِ؟ .

<<  <  ج: ص:  >  >>