للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

[٦٣ - التوحيد]

لغة:"الإيمان بالله وحده لاشريك له".

واصطلاحا:"معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفى الأنداد عنه جملة "، وهو بهذا المعنى حقيقة بسيطة تدور على إفراد الله تعالى بالعبودية، ونفيها عن كل ما سواه.

والتوحيد هو جوهر الإسلام، بل جوهركل الأديان السماوية، وهو دعوة الرسل والأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وجاء فى القرآن الكريم: {ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل:٣٦. ويقف الإسلام بخصيصة التوحيد هذه على الطرف المقابل للعقائد التى يتسع فيها مفهوم العبادة لغير الله تعالى، كائنا ما كان هذا الغير: جمادا أو حيوانا أو إنسانا أوكائنا خفيا كالجن والشياطين، كما يقف على الطرف المقابل أيضا لكل المذاهب والفلسفات التى تؤمن بحلول الله فى غيره، أو اتحاده بهذا الغير، أو تجسده فيه.

ولم ترد كلمة "التوحيد" بهذه الصيغة اللغوية فى القرآن الكريم، وإنما وردت بصيغة "الواحد" وصفا لله تعالى اثنتين وعشرين مرة. كما وردت لها فيه صيغة "أحد" -وصفا لله تعالى- فى سورة الإخلاص فى قوله تعالى: {قل هو الله أحد} الإخلاص:١، وهذه السورة تعدل ثلث القرآن لما اشتملت عليه من بيان التوحيد الخالص الذى هو أصل الإسلام وذروة سنامه.

والتوحيد -فى هذا الإطار الواضح الميسر- هو العقيدة التى يحملها الإسلام إلى الناس كافة ويقدمها للبشر بحسبانها معيارا وحيدا يصحح بها علاقة الإنسان بالله -تعالى- عقيدة وعبادة. ورغم بساطة هذه العقيدة ووضوحها فقد شغلت مساحة هائلة من اهتمام العلماء والمفكرين والفلاسفة المسلمين، ونشأت حولها تفسيرات وشروح وأفكار بالغة الدقة، شكلت "علما" مستقلا سمى بعلم التوحيد أو علم الكلام، وظهر هذا العلم فى وقت مبكر جدا من تاريخ الإسلام، ولازال يستمد مبررات وجوده من هذه العقيدة حتى يومنا هذا.

وقد نشأت على طول هذا التاريخ مدارس وفرق كلامية اختلفت رواها وتفسيراتها العلمية لأبعاد عقيدة التوحيد، لكنها لم تختلف حول المعنى البسيط لهذه العقيدة كما يقررها القرآن الكريم والسنة النبوية.

ومعنى "التوحيد" عند متكلمى أهل السنة والجماعة: إثبات الوحدانية لله تعالى فى ذأته وصفاته وأفعاله: فوحدانية الذات تعنى تنزيه ذاته تعالى عن الجسمية ولواحقها من تركب وتبعض وتحيزفى الجهة، وهو ما يعبرون عنه بنفى الكم المتصل عن الذات، كما يعنى تنزيه الذات عن أن يكون له ند أوضد أو مثل أو شريك، وهو ما يعبرعنه بنفى الكم المنفصل عن الذات، وتعنى وحدانية الصفات استحالة التعدد فى الصفة الواحدة من صفات الله تعالى كأن تكون له قدرتان أو علمان. الخ. كما تعنى استحالة استحقاق الغيرلأية صفة من الصفات الإلهية.

أما وحدانية الأفعال فمعناها نفى مشاركة الغيرلله تعالى فى إيجاد شىء فى هذا الكون أو تدبيره.

وقد تشددت فرقة المعتزلة فى تنزيه التوحيد فاثبتوا الذات ونفوا الصفات، وتشدد بعض الفلاسفة أيضا فمنعوا وصفه تعالى بالصفات الثبوتية، واكتفوا بوصفه تعالى بالإضافات والسلوب، وذلك خوفا من انثلام "الوحدة" الإلهية أو لحوقما التعدد بها، حتى لو كان التعدد فى الأوصاف. وهذان المذهبان يقابلان مذهب أهل السنة الذى يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات وأسماء كثيرة، والذى يرى أن كثرة الصفات لموصوف واحد لا تقدح فى وحدة الذات، إذ الممنوع عقلا وجود أكثر من ذات أو جوهر يتصف كل منها بالألوهية أو تحل فيها المعانى الإلهية. ولعلماء الكلام من معتزلة واشاعرة وغيرهم براهين عقلية مطولة فى إثبات صفة الوحدانية لله وإبطال العقائد المعددة فى الألوهية بالتثنية أو التثليث أو الحلول أو الاتحاد ... الخ.

والتوحيد عند شيوخ التصوف يستند -أيضا- إلى المعنى العام البسيط للتوحيد كما ورد فى القرآن والسنة، وقد عرض القشيرى فى مفتتح كتابه المسمى بالرسالة القشيرية لبيان اعتقادهم فى التوحيد بما لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة. غير أننا نلمس أبعادا أخرى -ذوقية- تقع وراء "المعنى البسيط" لعقيدة التوحيد، وتتمتل فى تقسيمه إلى مراتب تختلف باختلاف الموحدين ومدى مخالطة "بشاشة التوحيد" لقلوبهم، فهناك توحيد العامة، وهو التوحيد الذى يقف عند المعنى العام لشهادة: ألا إله إلا الله، وتوحيد الخاصة، وهو حالة لا يرى فيها العبد غير الحق، وتسقط عنده الأسباب الظاهرة، فلا يرى لها تأثيرا رغم مباشرته إياها. ثم توحيد خاصة الخاصة، وهو التوحيد الذى اختص الحق -تعالى- نفسه به، غيرأنه أظهر لبعض صفوته من هذا التوحيد لوائح وأسرارا. وطريق التوحيد فى المرتبة الأولى ملاحظة الشواهد والآيات والآثار، وفى المرتبة الثانية المكاشفات والمعاينات والأحوال من قبض وبسط وسكروصحو ومحو ... الخ.

وتوحيد المرتبة الثالثة لا يقبل وصفا ولا تأخذه العبارة ولا النعت.

وما يقوله شيوخ التصوف فى مراتب التوحيد ليس مسلما لدى كثيرمن علماء الإسلام وفقهائه، خصوصا: ابن تيمية، وابن القيم الذى انتقد هذه المراتب وفندها من وجهة نظرشرعية وهو يشرح منازل السائرين للصوفى الشهير:

أبى إسماعيل الهروى.

ويرى ابن خلدون أن المعتبر فى التوحيد ليس هو الإيمان فقط، لأن الإيمان تصديق علمى، أما التوحيد فهو علم ثان ينشأ من العلم الأول، والفرق بينهما أشبه بالفرق بين العلم بالشىء والاتصاف بهذا الشىء أو التحقق به.

أ. د/أحمد الطيب


مراجع الاستزادة:
- لسان العرب لابن منظور.
- التعريفات للجرجانى.
- حواش على شرح الكبرى للسنوسى ص٢٧٩ ط مصطفى الحلبى بمصر ١٩٣٦.
- لطائف الإعلام فى إشارات أهل الإلهام لعبد الرزاق القاشانى ١:٣٦٦ تحقيق سعيد عبد الفتاح ط دار الكتب المصرية ١٩٩٥.
- مدارج السالكين لابن القيم ٣:٤٩٩ وما بعدها مطبعة السنة المحمدية القاهرة ١٩٥٦.
- مقدمة ابن خلدون ٣:١٠٦٩ وما بعدها تحقيق على عبد الواحد وافى نهضة مصر

<<  <   >  >>