<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) (48)

المفردات:

- يتفيأ: يرجع.

- ظلال: جمع ظل.

- والشمائل: جمع شمال، والمقصود به الجهة التي تقابل اليمين.

- داخرون: خاضعون.

المعنى الإجمالي:

بعد تهديد الكفار بالعذاب، تنكر هذه الآية على الكفار تعاميهم عن قدرة الله سبحانه، فهو الذي خلق لكل شيء ظلا يرجع من جهة إلى جهة، وكل هذه المخلوقات وظلالها منقادة وفق أمر الله سبحانه وتعالى.

المعنى التفصيلي:

- (أولم) الهمزة للاستفهام، ولكنه استفهام إنكاري، أي: كيف يرون هذا ولا يتعظون، ولا يعتبرون.

- (يروا) المقصود بالرؤية هنا هي الرؤية البصرية، أي إن الكفار رأوا هذه القدرة الإلهية بعيون رؤوسهم، وعقلوا حقيقة ما رأوا، ولكنهم لم يتعظوا، ومن هنا يأتي الإنكار عليهم، فهم رأوا ولكن كأنهم لم يروا.

- (من شيء) أي من أي شيء كان ولو تافها، و (من) هذه تسمى "من الاستغراقية" وهي من حروف التوكيد، تأكيدا على أن كل شيء خاضع لله سبحانه وتعالى.

- (يتفيأ) أي يرجع، من "فاء" أي: رجع، فإن الشمس إذا طلعت كان الظل في جهة المغرب، ثم يبدأ ينتقل حتى يكون في جهة المشرق آخر النهار، فيكون هنا معنى (يتفيأ) هو: يرجع الظل من جانب إلى جانب.

- الضمير في (ظلاله) يعود إلى (ما خلق الله من شيء)، وجمع "الظل" هنا؛ لأن الظلال متعددة بتعدد المخلوقات، لأن (ما خلق الله) جمع من جهة المعنى، وأفرد الضمير في (ظلاله)؛ لأن (ما خلق الله) مفرد من جهة اللفظ.

- (عن اليمين والشمائل) أي: عن جانبي الأشياء.

ولكن لماذا قدم ذكر اليمين على الشمال؟

يحتمل أن التقديم لليمين إنما هو لشرفه، وقد استقرأت الآيات القرآنية التي ذكرت فيها جهة اليمين مع الشمال، فوجدت أن تقديم ذكر اليمين على الشمال كان في كل الآيات، ولولا الإطالة لسردت الآيات، ولكن في هذه الإشارة غنية عن الإطالة.

ولكن يحتمل أنه لشيء آخر؛ لأن الكلام عن ظاهرة كونية خلقها الله، فيحتمل أن يكون تقديم اليمين فيها مرتبط بشيء كوني، والله أعلم.

ولماذا أفرد اليمين وجمع الشمال؟

للجواب عن هذا السؤال قرأت ما كتبه السابقون في هذا، وفكرت فيه مليا، ولكنني لم أجد الجواب الشافي الذي تطمئن إليه نفسي، ولذا فالله أعلم في الأولى والآخرة.

- (سجدا لله) أي الظلال ساجدة لله سبحانه وتعالى، وسجودها هو سجود تسخير وانقياد.

وقيل: إن (سجدا) حال من الضمير في (ظلاله)، وهذا ضعيف؛ لأن الجمهور - كما ذكر أبو حيان - لا يجيزون مجيء الحال من المضاف إليه، وهذا مثل: جاءني غلام هند ضاحكة، بل الصحيح: جاءني غلام هند ضاحكا، فجاء الحال من المضاف لا المضاف إليه.

والصحيح أن (سجدا) حال من الظلال لا الضمير، والمراد بسجودها هو خضوعها لله، وسيرها وفق مشيئته سبحانه وتعالى.

- ما فائدة ذكر سجود الظلال لله سبحانه في هذا السياق مع أن خضوعها لله في حركتها ظاهر للعيان؟

الفائدة هي التعريض بالكفار الذين لا يسجدون لله، والإخبار بأن هذه الظلال خير منهم، فهي تعبد الله سبحانه، وهم لا يعبدون.

- (وهم داخرون) أي خاضعون، والجملة حال من الضمير (ظلاله)، لأن الضمير في معنى الجمع، وجاء التعبير عنهم بجمع العقلاء؛ لأن العقلاء داخلون ضمن المعنى، وهم الجنس المقصود في الخطاب فغلبوا لأجل ذلك.

<<  <   >  >>