<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون) (52)

المفردات:

- الدين: أصل الدين الطاعة والجزاء.

- واصبا: واجبا دائما.

المعنى الإجمالي:

بينت الآية السابقة أن الله واحد، وأن الواجب على الخلق أن يخافوا الله سبحانه وتعالى وحده ولا يشركوا به شيئا.

وتبين هذه الآية الأمور الموجبة لتوحيد الله بالعبادة، وتوحيده بالرهبة، وذلك لأن الله سبحانه يملك السموات والأرض وما فيهن، وأن الطاعة والانقياد والجزاء على الدوام له وحده، ولذا فعلى الخلق أن يوحدوا الله ولا يشركوا به شيئا.

المعنى التفصيلي:

- (وله ما في السموات والأرض) تقدم ذكر الجار والمجرور (له) ليدل على اختصاص ملك السموات والأرض به سبحانه وتعالى، وأنه لا ينازعه في ملكها منازع.

- ولكن ما علاقة ذكر ملك الله للسموات والأرض بالنهي عن الشرك؟

العلاقة هي أن الله سبحانه يملك الوجود، ولذا فله الحق بتوحيده بالعبادة والرهبة، وأن الذين يشركون بالله إنما يشركون معه من لا يملك حتى ذاته؛ لأنه ضمن ملك الله سبحانه، فهل يعقل أن يشرك مع الله من يملكه!!

- (وله ما في السموات والأرض) لماذا جاء التعبير بـ (ما) التي تستخدم لغير العاقل في قوله تعالى (ما في السموات والأرض)؟

جاء التعبير بـ (ما)؛ لأنها تستخدم للعاقل أيضا، كما في قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء:3)، وكما في قوله تعالى (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف: 53)

ومن الحالات التي تكون فيها (ما) للعاقل، إذا اشترك العاقل وغير العاقل في حكم واحد، كما في قوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض) (النحل: 49) فقد اشترك العاقل وغير العاقل في حكم السجود لله.

وفي هذه الآية يشترك العقلاء وغير العقلاء في حكم أنهم كلهم ملك لله وحده.

- وتقدم ذكر السموات على الأرض؛ لأن السموات أعظم من الأرض، وما في السموات أكثر مما في الأرض، فقدم ذكر السموات وما فيهن، من باب التدرج من الأعلى للأدنى.

- (وله الدين واصبا) قدم الجار والمجرور (له) ليدل التقديم على اختصاص الطاعة والجزاء بالله، وأن الطاعة والجزاء لا يكونان إلا لله وحده.

- ومعنى (الدين) الطاعة كقوله تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا) (النساء 125) أي: ومن أحسن طاعة.

ويأتي (الدين) بمعنى الجزاء، كقوله تعالى (مالك يوم الدين) (الفاتحة: 4) أي: يوم الجزاء.

وقد استعير (الدين) للشريعة؛ لأن الشريعة طاعة وجزاء.

- (واصبا) دائما لازما لا يزول، ولذا يقال عن الصحراء التي لا تنتهي: صحراء واصبة، أي دائمة لا تنتهي، والوجع في البدن إن كان مؤقتا فإنه يسمى "ألما"، ولكنه إن دام واستمر فإنه يسمى "وصبا".

فلله وحده الدين الدائم، ولا يشاركه فيه أحد، فكيف يتخذ مع الله شريك؟!

- (أفغير الله تتقون) الهمزة للاستفهام، وهذا الاستفهام استفهام إنكاري، وذلك لأن الطاعة لا تكون إلا لله وحده، وأن الجزاء لا يكون إلا لله وحده، وأن السموات والأرض وما فيهن لله وحده، فكيف يعبد ويتقى أحد مع الله سبحانه وتعالى؟!

ومعنى (تتقون) أي تخافون؛ لأن الخوف منشأ التقوى.

- جاء التعبير بأسلوب الخطاب (تتقون) ولم يأت بأسلوب الغيبة "يتقون"؛ لأن التأثير والمواجهة في أسلوب الخطاب أوضح منها في أسلوب الغيبة، فجملة (أفغير الله تتقون) تهديد للكفار المشركين، فناسب أسلوب الخطاب سياق التهديد.

<<  <   >  >>