<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون) ... (56)

المفردات:

- تفترون: تدعون الكذب.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة فظائع أعمال الكفار ومخازيهم، وآخرها دعاء الكفار ربهم في الشدة والإشراك به في الرخاء، تبين هذه الآية نوعا آخر من أنواع هذه الفظائع وهذه المخازي، وهو تقديم نعم الله قرابين للأصنام التي لا تنفع ولا تضر.

ويتوعد الله هؤلاء المشركين بالعذاب على ما يدعونه من الكذب بأن لله شريكا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

المعنى التفصيلي:

- ومعنى هذه الآية قريب من معنى قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (الأنعام:136).

- وذكرت الآية أنهم يجعلون للشركاء نصيبا، ولم تذكر أنهم أيضا يجعلون لله نصيبا آخر، مع أن هذا هو الواقع؛ لأن المعنى المراد هو إنكار ما عليه الكفار من الشرك، وليس وصف الواقع لأجل المعرفة التاريخية فقط.

- وجاء التعبير بالمضارع (يجعلون) للدلالة على تجدد صورة الشرك هذه على مر العصور والدهور، وما زال الشرك في الأرض إلى يومنا هذا، وما زال المشركون يقدمون القرابين لأصنامهم، وما البوذيون وغيرهم من المشركين في الأرض من ملايين البشر إلا مثال على تجدد هذه الصورة من الشرك.

- (لما لا يعلمون) أي الأصنام، ومفعول (يعلمون) محذوف، ويفهم من الاسم الموصول "ما"، والتقدير: لما لا يعلمونه.

وجاء التعبير عن الأصنام بهذا التعبير (لما لا يعلمون)؛ تسخيفا لعقول الكفار بأنهم يعبدون ما لا يعلمون أن له حقا في العبادة، بل يفترون هذا الحق من عند أنفسهم، وهذا كقوله تعالى (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (النجم:23) فهم يتبعون الظن الفاسد، ولا يتبعون العلم، ولذا يعبدون ما لا يعلمون حقيقته.

- (نصيبا) أي حظا، وأصل كلمة "نصيب" من الفعل "نصب"، ونصب الشيء جعله ناتئا، ولذا فإن "النصيب" حظ منصوب ظاهر معين.

وبيان هذا النصيب في قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) (الأنعام:136).

- (مما رزقناهم) أي: "من ما رزقناهم"، و "من" هنا تبعيضية؛ لأنهم لا يجعلون كل ما رزقهم الله لشركائهم، بل يجعلون بعضه.

- وفي قوله تعالى (مما رزقناهم) بيان لعظيم كفران المشركين لنعم الله، فالله يرزقهم، وهم يقدمون هذا الرزق لما لا يرضى، وإنها لمفارقة كبيرة، وإنهم لجاحدون كافرون، يقابلون الإحسان بالكفران، فحسبهم جهنم وبئس المصير.

- جاء التعبير بإسناد الفعل "رزق" إلى الله على سبيل التعظيم (رزقناهم) وليس "رزقتهم"، وبأسلوب المتكلم (رزقناهم) وليس بأسلوب الغيبة "رزقهم الله"؛ لبيان أن هذا الرزق من العظيم المنعم المتفضل، ولكنهم لم يعرفوا له حقه؛ لسفاهة عقولهم، وقحة أخلاقهم.

- (تالله لتسألن عما كنتم تفترون) هذا تهديد للكفار، وجاء الالتفات من أسلوب المتكلم (رزقناهم) إلى أسلوب الخطاب (لتسألن عما كنتم تفترون)؛ لما مر غير مرة بأن أسلوب الخطاب أعظم في التهديد؛ لما يحمل في معناه من المواجهة وتقصير المسافة المشعرة - في مثل هذا المقام - بالخوف لمن كان له قلب.

- صدر التهديد بالقسم (تالله) من باب تعظيم التهديد وتشديد الوعيد، وجاء الفعل (لتسألن) مؤكدا أيضا من باب التشديد في التهديد والوعيد.

- (تفترون) أي تدعون الكذب، وهذا الادعاء متعمد، لأن أصل الافتراء "القطع"، فهم يفترون على الله الكذب، أي يقطعون به، وليس مجرد تكذيب في سياق التفكير والبحث عن الحق.

والافتراء يستعمل في التعبير عن الكذب، ولكنه ليس هو الكذب، بل استعمل فيه، وانظر إلى قوله تعالى (انظر كيف يفترون على الله الكذب) (النساء:50) (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) (المائدة: 103) وغير ذلك من الآيات.

ووجه الشاهد أن الافتراء استعمل في الكذب، ولكنه ليس الكذب؛ لأنهم يفترون الكذب، والافتراء في أصله هو القطع.

وافتراء الكفار الذي سيسألون عنه، هو قولهم: إن لله شركاء، ساء ما يقولون.

<<  <   >  >>