<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (57)

المعنى الإجمالي:

عرضت الآيات السابقة أنواعا من جرائم الكفار ومخازيهم، وتعرض هذه الآية نوعا آخر من هذه الأنواع، وهو زعم الكفار أن لله بنات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

وزيادة على ذلك فإنهم يريدون لأنفسهم ما يشتهون من الأبناء الذكور؛ لأنهم لا يحبون البنات.

والله سبحانه وتعالى ليس له ولد لا من الإناث ولا من الذكور.

المعنى التفصيلي:

- (ويجعلون) الواو للعطف، والجملة معطوفة على قوله تعالى (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا).

ومعنى (يجعلون) هو النسبة بالقول، أي وينسبون البنات لله.

- (ويجعلون لله البنات) قدم الجار والمجرور (لله) زيادة في إنكار ما يزعمه الكفار، لأن بشاعة نسبة الذرية لله تكمن في مجرد النسبة له سبحانه، ولا تكمن في كونها بنات، لأن الله ليس له بنات كما ليس له أبناء.

فلو قلنا في غير التنزيل " ويجعلون البنات لله" لاتجه الإنكار إلى كون المنسوب إلى الله هو البنات، وأما عند تقديم الجار والمجرور (لله) كما في الآية (ويجعلون لله البنات) فإن الإنكار يتجه إلى مجرد نسبة الذرية لله بغض النظر عن كونها بنات أو أبناء، لأن الله منزه عن الذرية.

- وهذه البنات المزعومات هي الملائكة، قال تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء:40).

- (سبحانه) جملة معترضة، جاءت مباشرة لتنزيه الله عن هذا الجعل الكفري، بأن جعلوا لله البنات سبحانه.

و" سبحان " مصدر نحو غفران، أي تنزيه الله عما لا يليق به من الصاحبة والشركاء وجميع النقائص، أي تبعيده عنها سبحانه وتعالى.

وأصل السبح هو: المر السريع، ومنه يستعار الابتعاد؛ لأن الابتعاد قد يكون نتيجة للمر السريع، لأن معنى تسبيح الله في المعاجم اللغوية، هو تنزيه الله، والتنزيه هو: التبعيد، نقول نزه نفسه عن السوء أي: أبعدها.

- (ولهم ما يشتهون) أي: ولكنهم يريدون لأنفسهم غير ما يريدونه لله، حيث يريدون لأنفسهم ما يشتهون من الأبناء الذكور، لأنهم يكرهون البنات، فجعلوا لله ما يكرهون ولهم ما يريدون، قال الله تعالى (ويجعلون لله ما يكرهون) (النحل:62).

وتأتي الآية التالية لتبين حال الكفار عندما يرزقهم الله بما لا يشتهون من البنات (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم) (58)

- قدم الجار والمجرور وهو (لهم) في قوله تعالى (ولهم ما يشتهون) من باب التهكم بهم والاستخفاف بقدرهم، فهم غثاء لا قيمة لهم، يتصدرون لهذا المقام البغيض بأن جاهروا الله العداء، ونسبوا له ما يكرهون من البنات.

<<  <   >  >>