<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم) (58)

المفردات:

- كظيم: حابس للغيظ.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآية السابقة ما زعمه الكفار من أن الله سبحانه وتعالى اصطفى الإناث وجعلهن بنات له، تبين هذه الآية والتي بعدها المفارقة العظيمة التي وقع فيها الكفار، وهي أنهم ينسبون البنات لله، وفي الوقت نفسه لا يرضون البنات لأنفسهم، فتصف هذه الآية حال الكفار عندما يخبرون بولادة أنثى لهم.

وهذه الحال هي أنه المبشر من الكفار بالأنثى يسود وجهه ويمتلئ غيظا.

المعنى التفصيلي:

- (وإذا) الواو حالية، أي حال هؤلاء الكفار الذين ينسبون لله البنات أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى اسود وجهه وتشقق قلبه.

- وجاء التعبير في الآية (وإذا بشر أحدهم) - علما بأن المشركين لا يعتبرون الإخبار بولادة الأنثى تبشيرا - لأن هذا هو الأصل في ولادة الأنثى، فهذه الأنثى أنس لأهلها، تحبهم وترعاهم، وتخدمهم وتدعو لأبويها بالخير، ولكن العجيب أن هذا الخير الذي يستحق البشارة يصبح وجه صاحبه أسود، أتعرفون متى يسود الوجه؟ إنه لا يسود لأي انفعال أو غضب، بل يسود الوجه لنزول مصيبة تقصم الظهر، وتفسد العمر، ولكن يسود هذه الوجوه عند أهل الجاهلية بسبب التبشير بالأنثى.

وأما قوله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة: 34) فهذا من باب التهكم بالكفار، والاستهزاء بهم.

- بني الفعل (بشر) لما لم يسم فاعله؛ لأن تعيين الفاعل غير مهم، بل المهم هو بيان رد فعل المبشر على البشارة بالأنثى، وليس تعيين من يقوم بالتبشير.

- (أحدهم) أي أحد الكفار المخاطبين بالآيات ابتداء، وجاء التعبير بـ (أحدهم) ليدل على أن حال الكفار واحدة، لأن التبشير بالأنثى لأي أحد من الكفار بدون استثناء يوقعه في هذه الحال السيئة.

إذن، فالتعبير بـ (أحدهم) تنصيص على كل أفراد الكفار، للدلالة على عدم تخلف أحد منهم عن كره التبشير بالأنثى.

- (بالأنثى) أي بولادتها.

- الفعل (ظل) يفيد اتصاف الاسم بالخبر طوال النهار (ظل وجهه مسودا) أي يبقى الوجه مسودا طوال النهار.

ولو قلنا في غير التنزيل "بات وجهه مسودا" فإنه يفيد اتصاف الوجه بالاسوداد طوال البيات.

وقيل (ظل) بمعنى "صار" أي تحول وجهه من حال إلى حال.

وإذا كان معنى (ظل) اتصاف الاسم بالخبر طوال النهار، فهذا يدل على عظيم التأثر والحزن بولادة الأنثى لطول زمن التأثر.

وإذا كان معنى (ظل) هو: صار، فهذا يدل - أيضا - على عظيم الحزن الذي أورثه التبشير بالأنثى؛ لأن تحول الوجه من حال إلى حال لا يكون إلا بالتأثر العظيم.

والذي أراه أن تفسير (ظل) على أصلها، وهو طول مدة الحزن أبلغ من التفسير بـ "صار"؛ لأن التفسير بطول الزمن يتضمن تحول الوجه إلى الاسوداد، ولكن تحول الوجه إلى الاسوداد لا يتضمن طول زمن الاسوداد؛ لأن الوجه قد يتحول عن حالته ويرجع سريعا إلى ما كان عليه، فـ "ظل" هنا تتضمن "صار"، و"صار" لا تتضمن "ظل".

- (مسودا): ومن المعلوم أن الوجه يتعكر بالحزن والاكتئاب ولا يصبح لونه أسود، ولكن عبر عن الوجه بأنه مسود؛ لأن الحالة الحاصلة ليست حالة حزن عادية، بل هي مصيبة قاصمة للظهر، عظيمة أيما عظمة، وفي مثل المصائب العظيمة ترى الوجوه من شدة احتقان الدم فيها سوداء، فالكفار إذن، لم يكونوا يحزنون حزنا عاديا عندما تولد لهم الأنثى، بل كانوا يحزنون أعلى درجات الحزن.

- (وهو كظيم) حال من صاحب الوجه، أي أن حال صاحب الوجه ظاهرا مسود، وفي باطنه شدة عظيمة من حبس الغيظ.

وقيل (وهو كظيم) حال من الوجه، وهذا بعيد؛ لأن المناسب أن يوصف الوجه بالاسوداد، وأن توصف النفس بالكظم؛ لأن معنى "كظم الغيظ": حبسه وقد امتلأ غيظا؛ يقال: كظم السقاء: شده بعد ملئه مانعا لنفسه، وها وصف للنفس الإنسانية وليس للوجه.

- وجاء التعبير بالآية ب (كظيم) بعد بيان اسوداد الوجه؛ ليظهر لنا سبب هذا السواد، إنه بركان يغلي في القلب من الغضب.

- لقد كان أهل الجاهلية يغضبون غضبا عظيما إذا رزق أحدهم بأنثى، كانوا يغضبون على زوجاتهم وعلى حالهم وعلى نصيبهم وقدرهم، إنهم كانوا جهلاء في جاهلية، ظلمة لا يعطون كل ذي حق حقه.

ومن عجيب ما حصل في زمننا أن بعض المسلمين إذا بشر بالأنثى صار وجهه مسودا من الحزن، وقلبه كظيما من الغيظ، وانقلب حزنه وغيظه على زوجته وأولاده ومن حوله، فسبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة!

<<  <   >  >>