<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم) (60)

المفردات:

- المثل: الصفة.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة أن الكفار ينسبون البنات لله، وفي نفس الوقت يكرهون أن يرزق أحدهم ببنت، وهذه مفارقة عظيمة أن ينسبوا لله ما يكرهون، فجاءت هذه الآية لتحقر الكفار على ما افتروا على ربهم سبحانه وتعالى، ولتنزه الله عن كل هذه النقائص، وأيضا لتهدد الكفار بالعذاب الأليم؛ لأن الله عزيز لا يفلت معاديه من عقاب، حكيم يعاقب العقاب المحكم الأليم.

المعنى التفصيلي:

- (للذين لا يؤمنون بالآخرة) جاء التعبير بالاسم الموصول (للذين) استحقارا للكفار؛ لأن التعبير بالاسم الموصول في سياق التعظيم زيادة في التعظيم، وفي سياق التحقير زيادة في التحقير.

- ولكن لماذا وصف الكفار بأنهم لا يؤمنون بالآخرة دون باقي أركان الإيمان، كالإيمان بالرسل والكتب والملائكة وغيرها؟

قد خص وصف الكفار بأنهم لا يؤمنون بالآخرة؛ لأن من لا يؤمن بالآخرة وثوابها وعقابها فإنه لا بد وأن يتعلق قلبه بالدنيا العاجلة، وهذا التعلق يجعله يرفض أي شيء يخالف هواه، فيتعامى عن الحق تعاميا، ويغفل عن الصواب استغفالا.

ولذا لا يرتجى ممن لا يؤمن باليوم الآخر الإقبال على الحق إلا بعد أن يهتدي إلى أن هنالك ثواب وعقاب، فينخلع التعلق بالعاجلة من قلبه مما يفسح المجال لقلبه أن يرى الدلائل والبراهين والآيات.

- (مثل السوء) أي: صفة السوء، والفرق بين السوء والسوء، أن السوء "بفتح السين" هو: مصدر، والسوء "بضم السين" هو: اسم، والفرق بينهما أن السوء بالفتح يضاف إليه المنعوت، نقول: رجل السوء، ظن السوء.

والسوء بالضم المكروه، نقول: ساءني سوءا، إذا لقيت منه المكروه.

فهما من ناحية الأصل مشتركان، ولكن الاختلاف في طريقة الاستعمال.

- فالكفار لهم الصفة الحقيرة الدنيئة (مثل السوء)؛ لأنهم يسيئون إلى خالقهم ورازقهم وراحمهم، يسيئون إلى من لا يستطيعون أن يحصوا نعمه عليهم، وهذه الإساءة ليست على سبيل الخطأ الذي أتى هكذا وتراجعوا عنه، بل هي إساءة عناد واعتقاد، هم لم ينسبوا لله ما يحبون من الأبناء الذكور، بل نسبوا إليه ما يكرهون من البنات، كل هذا إمعانا منهم في الكفر والتجرؤ على الله سبحانه وتعالى.

- لماذا جاء التعبير بـ (مثل) وليس "صفة"؟

جاء التعبير بـ (مثل)؛ لأن سوء الكفار من فظاعته وبشاعته أصبح رمزا للسوء، فأصبح سوؤهم جاريا مجرى المثل في انتقاله، وبارزا بروز المثل بين الناس لشدة وضوحه.

- جملة (ولله المثل الأعلى) معطوفة على جملة (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء)، وقدم ذكر تحقير المشركين (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) على ذكر تنزيه الله سبحانه وتعالى (ولله المثل الأعلى)؛ لأن سياق الآيات السابقة واللاحقة يركز على ذكر مخازي الكفار، فناسب ذلك أن يركز على تحقيرهم بسبب التركيز على ذكر مخازيهم، وليس السياق سياق بيان عظيم نعم الله، وعظيم خلقه سبحانه وتعالى.

وانظر في سياق الآيات - حفظك الله - ليظهر لك ذلك جليا:

(ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63))

- جاء تقديم الجار والمجرور (للذين) في قوله تعالى (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) لأن مثل السوء هو للذين كفروا فقط، فهم الأسوأ، ولا أحد أسوأ منهم.

وجاء تقديم (لله) في قوله تعالى (ولله المثل الأعلى)؛ لأن الصفة العليا، التي ليس هنالك صفة أعلى منها لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، فهو الخالق الرازق الرحمن الرحيم، المستغني عن الصاحبة والولد، والمستغني عن كل شيء، وما إلى غير ذلك من صفات كماله سبحانه وتعالى.

- (وهو العزيز الحكيم) العزيز هو: صاحب العزة والجبروت، فهو الذي قهر كل شيء، وانقاد له كل شيء.

والحكيم، هو صاحب الحكم والحكمة، فالحكم لله وحده، وهذا الحكم هو حكم حكمة وصواب وحق.

- ولكن لماذا قدم ذكر (العزيز) على ذكر (الحكيم)؟

قدم ذكر (العزيز) على ذكر (الحكيم)؛ وفق الترتيب العقلي؛ لأن من عز حكم، أي من كان له القدرة والقهر، كان له الحكم والأمر، فالحكم ناشئ عن سبب امتلاك القدرة.

- ولكن لماذا ختمت الآية بقوله تعالى (وهو العزيز الحكيم)؟

ختمت الآية بقوله تعالى (وهو العزيز الحكيم) تهديدا للكفار؛ بأن الله سبحانه وتعالى عزيز لا يفلت منه أحد، وعقابه لاحق بهم لا محالة؛ وحكيم سيحكم عليهم حكم الحق.

- لماذا اقترن ذكر هذين الاسمين لله سبحانه وتعالى؟

اقترن ذكر هذين الاسمين لله سبحانه وتعالى؛ للدلالة على أن لله القدرة، ولكنها قدرة حكيمة.

فكم من البشر من يمتلك القدرة والسطوة، ولكنه لا يمتلك الحكمة، فتذهب قدرته هباء منثورا، ولا يستطيع أن يحقق بها شيئا.

ولله المثل الأعلى، نرى الأسد يمتلك القدرة على افتراس البشر، ولكنه لا يمتلك الحكمة التي يمتلكها البشر، فتلقي به قوته إلى قفص حديقة الحيوان، لينظر إليه الأطفال الصغار وهم يضحكون، وهو يزأر في قفصه، ولكن ما فائدة القدرة دون الحكمة.

<<  <   >  >>