<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (61)

المفردات:

- يؤاخذ: يعاقب.

- دابة: كل ما يمشي على الأرض.

- أجل: المدة المحددة للشيء.

- مسمى: معين.

المعنى الإجمالي:

بينت الآيات السابقة أن الكفار يشركون مع الله فيما أنعم عليهم، وأنهم يزعمون أن لله بناتا، وفي نفس الوقت يكرهون أن يرزقهم الله البنات.

وبعد هذا البيان بينت الآية السابقة أن الصفة السوآى إنما هي للكفار، والصفة العليا أنها لله تعالى، وهددت الآية السابقة الكفار بالعقاب الأليم.

وجاءت هذه الآية لتبين أن الله لو أراد أن يعاقب الكفار على شركهم لأهلك كل ما على الأرض، ولكن الله جعل لهلاكهم وقتا محددا، ولأجل هذا التحديد أخر الله عقاب الكفار، وهددت الآية الكفار بأنهم لن يأخروا عن الوقت المحدد لهم.

المعنى التفصيلي:

- (ولو) الواو للاستئناف، و (لو) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع وقوع جواب الشرط لامتناع وقوع الشرط، فنقول: لو جئت لأكرمتك. أي: أنا لم أكرمك لأنك لم تجئ.

- (يؤاخذ) أصل الأخذ هو تحصيل الشيء، وقد يكون الأخذ بالقهر، وذلك كقوله تعالى (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) (النازعات: 25) وكقوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:102).

وجاء التعبير بالمفاعلة (يؤاخذ)؛ لأن فيه تنبيه على المجازاة والمقابلة، فهم قد أخذوا نعم الله ولم يأدوا شكرها، ولذا فالله سيأخذهم بالعذاب الأليم.

- (بظلمهم) أي: بشركهم؛ لأن الأفعال التي يهدد الله سبحانه وتعالى لأجلها الكفار - في هذا السياق - هي أفعال شرك، والظلم في سياق التهديد بالاسئصال الشامل العام، لا يكون لأجل الظلم الذي هو دون الشرك، ولذا ظن الصحابة رضوان الله عليهم أن الظلم فقط هو التعدي على حقوق العباد، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن من الظلم ما هو شرك؛ لأن الشرك تعد على حقوق الله سبحانه وتعالى.

فعن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الأنعام: 82) شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟

قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه؟ (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: 13). رواه (البخاري: 3175) واللفظ له (مسلم: 178)

وأي ظلم ذاك الذي هو أعظم من التعدي على حقوق خالق السموات والأرض، سبحانه ما أحلمه وأعظمه وأشده!

- المقصود بـ (الناس) في الآية هم الكفار، لأن هذا عموم يراد به الخصوص، والقرينة سياق الآيات أولا، فهي في الكفار، والقرينة الثانية: قوله تعالى (بظلمهم) أي بشركهم.

وفي القرآن من العموم الذي يراد به الخصوص كثير، أذكر آية لبيان هذه الأمر، قال تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (آل عمران:173)

ووجه الشاهد أن "الناس" في قوله تعالى (قال لهم الناس) هم غير " الناس " في (إن الناس قد جمعوا لكم).

- (ما ترك عليها) أي الأرض (من دابة) أي لأهلك سبحانه وتعالى كل ما يعيش على هذه الأرض.

- وقد يسأل سائل لماذا يهلك الله الحيوانات وهي لم تظلم؟

وللجواب عن هذا السؤال لا بد من معرفة أن الهلاك يعم حتى الصالحين من بني البشر، فما بالك بالحيوانات!!

قالت زينب بنت جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم، إذا كثر الخبث. (البخاري:3097) (مسلم: 5128)

وانظر أيضا كيف يهلك الله القوم الذين يريدون أن يغزو الكعبة، بالرغم من وجود من لا شأن له في الأمر معهم:

قالت عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم قال يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم (البخاري: 1975)

- (من دابة) (من) هذه هي الاستغراقية، والتي تعني أن الهلاك سيعم كل دابة، لا ينجو منها دابة واحدة.

و (من) الاستغراقية من أحرف التأكيد، فلو قلنا في غير التنزيل " ما ترك عليها دابة " بدون (من)، لم يكن قولنا بقوة (من دابة)؛ لأنها تفيد التأكيد.

- المراد بـ "الدابة" - هنا - كل ما يمشي على الأرض ومن ضمنه الإنسان، وقد جاء في المعاجم اللغوية أن الدابة هي كل ما مشى على الأرض، وارجع إلى " دبب" في (تاج العروس من جواهر القاموس) لمرتضى الزبيدي؛ لترى أن الدابة تطلق على العقلاء أيضا، ولكن في السياق القرآني قد يقصد بالدابة كل ما دب على الأرض، ومن ضمنه الإنسان، وهذا كقوله تعالى (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) (فاطر:45)، وقد يقصد كل ما دب على الأرض دون الإنسان، كقوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) (الأنعام:38) فالدابة هنا غير الإنسان بقرينة (إلا أمم أمثالكم).

- وجاء التعبير بالمفرد (دابة) مع أن المراد الجمع؛ ليكون أدل على أن كل فرد من الدواب مقصود بالحكم.

- (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) أي: هذا هو سبب عدم إيقاع عذاب الاستئصال بالكفار، وهو أن الله سبحانه وتعالى قضى لخلقه آجالا، سيلبغونها، وبعد ذلك يحاسبون على ما عملوا.

- (فإذا جاء أجلهم) أي المدة المحددة لانتهاء حياتهم (لا يستأخرون) عن الوقت المحدد لهم (ساعة) وهي جزء من الوقت مهما قل (ولا يستقدمون) على الوقت المحدد لهلاكهم كذاك أي جزء من الوقت مهما قل.

- معنى (يستأخرون) يتأخرون، و (يستقدمون) يتقدمون، والسين والتاء في صيغة الاستفعال تدل على الطلب، فهم لن يؤخروا ولو طلبوا التأخر طلبا، ولن يقدموا ولو طلبوا التقدم طلبا، فصيغة الاستفعال الدالة على الطلب تفيد التأكيد على قصد الفعل.

ونفي المؤكد (لا يستأخرون) (ولا يستقدمون) تأكيد للنفي، لأن الإثبات الموكد إذا نفي، دل على قوة النفي.

- قيل: إن المقصود بالأجل هو الإهلاك بالعذاب، وقيل: المقصود بالأجل هو الموت، ولكن الأجل هو الوقت المضروب لمفارقة الحياة بغض النظر عن الكيفية، ولكن هذا الأجل على جميع الأحوال ليس هو عذاب الاستئصال؛ لأن الآية نفت وقوع عذاب الاستئصال بسبب أن الله جعل مفارقة الكفار للحياة بسبب الأجل المضروب لهم، وليس بسبب عذاب الاستئصال.

- وقد يسأل سائل لماذا قدم نفي التأخر (لا يستأخرون) على نفي التقدم (ولا يستقدمون)؟

قدم نفي التأخر (لا يستأخرون) على نفي التقدم (ولا يستقدمون)؛ لأن الكفار يطمعون أن يتأخروا عن آجالهم؛ ليطول عمرهم، ولا يطمعون أن يتقدموا على آجالهم، لأنهم يكرهون الموت.

- ولكن كيف يتصور أن يتقدم الإنسان على أجله إذا جاء؟

صحيح أنه لا يتصور أن يتقدم الإنسان على أجله إذا جاء، ولكن التهديد للكفار كان بقوله تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة)، وأما (ولا يستقدمون) فلا علاقة لها بالتهديد، بل جاءت للدلالة على أن كل الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، وبمعنى أكثر وضوحا (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة) عن الأجل الذي جاء (ولا يستقدمون) ساعة عن الأجل قبل مجيئه.

وقد يقال: إن التقدم على الأجل إذا جاء مستحيل، ولذا ذكر التأخر مع التقدم سويا؛ ليكونا في المعنى سويا، أي: كما أن التقدم مستحيل فكذا التأخر.

ومثل ذلك قوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) (النساء: 18)

ووجه الشاهد هو أن الذي يموت كافرا لا توبة له أساسا، ولكنه قرن مع من يتوب وقت موته؛ للدلالة على أنهما في عدم قبول توبتهما سواء.

- (ساعة) جزء من الوقت، ويطلق على أقله، وأما الساعة المعروفة في زمننا، وهي المكونة من ستين دقيقة، فاصطلاح حادث في هذا العصر، وليس هو المقصود في الآية.

<<  <   >  >>