<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون) (62)

المفردات:

- لا جرم: حقا.

- مفرطون: مقدمون.

المعنى الإجمالي:

وتكمل الآية بيان مخازي الكفار، وواقع جرائمهم بحق الله سبحانه وتعالى، فهم يجعلون لله ما يكرهون من البنات، ويفترون بألسنتهم الكذب بأن لهم في الآخرة العاقبة الحسنى، ولكن لا شك أنهم مقدمون إلى النار، وأنها مستقرهم، ألا ساء ما يفعلون.

المعنى التفصيلي:

- (ويجعلون لله ما يكرهون) حيث نسبوا لله الذرية، وهذا أمر بشع عظيم، ولكن الأعظم من ذلك أنهم ينسبون لله ما يعتبرونه أخس الذرية، حيث ينسبون البنات لله، تعالى الله عما يقولون.

- (ما يكرهون) أي: البنات، وقد سبق تفسير قوله تعالى في هذه السورة (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) (النحل: 57)، فالكفار يريدون لهم ما يحبون من الأبناء الذكور، وأما لله فينسبون البنات.

- (ويجعلون لله ما يكرهون) قدم الجار والمجرور (لله) زيادة في إنكار ما يزعمه الكفار، لأن بشاعة نسبة الذرية لله تكمن في مجرد النسبة له سبحانه، ولا تكمن في كونها بنات، لأن الله ليس له بنات كما ليس له أبناء.

فلو قلنا في غير التنزيل " ويجعلون ما يكرهون لله" لاتجه الإنكار إلى كون المنسوب إلى الله هو البنات المكروهات من جهتهم، وأما عند تقديم الجار والمجرور (لله) كما في الآية (ويجعلون لله ما يكرهون) فإن الإنكار يتجه إلى مجرد نسبة الذرية لله بغض النظر عن كونها بنات أو أبناء، لأن الله منزه عن الذرية مطلقا.

- (وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى) والكفار أيضا يفترون على الله الكذب بأن العاقبة الحسنى لهم، ألا ساء ما يصفون.

- وجاء التعبير بإسناد الكذب إلى ألسنتهم (وتصف ألسنتهم) وليس "يصفون"، زيادة في بيان بشاعة فعلهم، فهؤلاء يفترون الكذب على الله بألسنتهم التي خلقها الله كي تذكره (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56).

فكل عضو في أجسادنا ما خلقه الله إلا ليكون في طاعته، ومن أعلى هذه الأعضاء - إن لم يكن أعلاها - اللسان، فبه يذكر الله، وبه يقال الحق، ومن هنا تظهر بشاعة استعمال الألسن في الافتراء على الله سبحانه وتعالى.

- (وتصف ألسنتهم الكذب) فألسنتهم تصف الكذب ذاته، لا شيئا قريبا منه، ولا شيئا مخلوطا بالحق، بل ما تصفه ألسنتهم هو عين الكذب، وذات الكذب.

فمن الناس من لا يتجرأ على قول الكذب خالصا، فيخلطه ببعض الصدق، ولكن كفار قريش ومن سار على نهجهم، بلغوا من القحة مبلغا عظيما، حيث يقولون الكذب خالصا، بلا حياء ولا خجل، ولا قلق ولا وجل.

- (أن لهم الحسنى) أي العاقبة الحسنى، وهكذا هو نهج الكفار الجاحدين، وتأمل قوله تعالى حاكيا قول صاحب الجنة في سورة الكهف (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) (الكهف: 36).

- وجاء التعبير بـ (الحسنى) وليس "الحسنة"؛ لأن "الحسنة" مؤنث "الحسن"، و"الحسنى" مؤنث "الأحسن"، فهم - بزعمهم - ليس لهم العاقبة الحسنة فقط، بل لهم العاقبة الحسنى.

- وقدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (أن لهم الحسنى)؛ لأنهم يزعمون أن الحسنى مختصة بهم، أما أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا حسنى لهم.

- (لا جرم) الجرم هو الذنب، والذنب هو الباطل، ونفي الجرم نفي للباطل، ونفي الباطل هو إثبات الحق؛ لأن الأمر إما أن يكون حقا أو باطلا، فإذا نفي الباطل وقع الحق، ولذا فإن معنى لا جرم هو حقا.

- (لا جرم أن لهم النار) هذا رد على افترائهم (أن لهم الحسنى) بـ (أن لهم النار).

- وجاء الرد (لا جرم أن لهم النار) مؤكدا بنفي الشك عن الخبر (لا جرم) وبحرف التوكيد (أن).

- قدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (أن لهم النار) ليدل على اختصاص النار بهم، وهذا ليناسب تقديم الجار والمجرور (لهم) في دعواهم (أن لهم الحسنى).

- (وأنهم مفرطون) وهم ليسوا فقط من أهل النار، بل هم (مفرطون) إليها، أي: مقدمون إليها، يقال: فرط: إذا تقدم تقدما، والفارط إلى الماء: المتقدم إليه.

ولكن لماذا هم مقدمون إلى النار؟

هم مقدمون إلى النار؛ لأنهم أكثر من يستحق النار من أهل النار.

ولكن على من سيقدمون؟

إنهم سيقدمون على غيرهم من أهل النار؛ لأنهم أشد عذابا؛ لأن المقدم إلى الجنة أعلى منزلة ممن يأتي بعده، والمقدم إلى النار أشد عذابا ممن يأتي بعده.

وجاء هذا التهديد مؤكدا بحرف التأكيد (أن)، زيادة في الوعيد؛ وما شدة الانتقام إلا لشدة الإجرام (والله عزيز ذو انتقام) (آل عمران: 4).

- قرأ نافع (مفرطون) بكسر الراء المخففة، وهذه صيغة اسم الفاعل، ومعناها: المتجاوزون للحد.

فالكفار قد تجاوزوا كل الحدود بإجرامهم وافترائهم الكذب على الله سبحانه تعالى.

- وقرأ أبو جعفر - وهو ليس من السبعة، ولكنه من العشرة - (مفرطون) بكسر الراء المشددة، وهذه صيغة اسم الفاعل، ومعناها: أنهم مقصرون ومضيعون لما كلفوا به من الدين والتوحيد، وهذا أيضا منطبق على الكفار.

<<  <   >  >>