<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم) (63)

المفردات:

- وليهم: ناصرهم.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة ما وقع فيه المشركون من الجرائم العظام، تتوعد هذه الآية الكفار بالعذاب الأليم يوم القيامة في حين أنها تسلي النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تكذيب قومه له إنما هو سنة ماضية حاضرة للكفار، لأنهم هكذا قابلوا هداية الرسل باتباع الشيطان، الذي ظنه الكفار نصيرا لهم بما زين لهم، ولكنه لم يكن لينصر نفسه ولا غيره، وأن نهاية من اتبعه العذاب الأليم.

المعنى التفصيلي:

- (تالله) هذا قسم بالله سبحانه وتعالى، والقسم أسلوب من أساليب توكيد الكلام، بل هو من أعلى الأساليب، إن لم يكن أعلاها.

- (تالله) المقسم في الآية هو الله سبحانه وتعالى، وأي مقسم أعظم منه؟! وأي مقسم هو أصدق منه؟! والمقسم به هو لفظ الجلالة الذي لا شيء في الوجود أعظم منه ولا أكرم.

وعظم القسم يدل على عظم المقسم عليه، ألا ترى أنه لا يقبل من الواحد منا أن يقسم الأيمان على شيء تافه.

- (تالله) والتاء حرف من حروف القسم، ولا تدخل إلا على لفظ الجلالة، بينما تدخل الواو على الاسم الظاهر دون أن تختص بلفظ الجلالة، فنقول: والله، (والطور) (الطور:1)، وكذلك الباء تدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير أيضا، نحو: بك لأكرمن الكريم.

- ودل ذكر (من قبلك) في السياق على أن المخاطب بداية بالقسم (تالله) هو النبي صلى الله عليه وسلم، وانظر - حفظك الله - في السياق متأملا حتى تعلم أن الخطاب تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك)

وهذا القسم (تالله) الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو لتسليته، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ليس شاكا حتى يحتاج إلى القسم، وإنما القسم في مقام التسلية للنبي زيادة في تسليته عليه الصلاة والسلام.

- ولكن هل يختص الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مخاطبا به لأجل تسليته؟

الجواب: لا؛ لأن القرآن كتاب هداية لكل الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم مخاطب به بداية ثم كل المكلفين من الجن والإنس، فالآية تسلية لكل من دعا إلى دين الله وكذبه الناس.

- (لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) هذه الجملة جواب للقسم (تالله)، وحرف اللام الواقع في جواب القسم (لقد) مؤكد من المؤكدات، و"قد" هنا للتحقيق، وهذا أيضا تأكيد للكلام.

- وليس المقصود بالقسم هو الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، بل المقصود أنه أرسل رسلا إلى الأمم السابقة (فزين لهم الشيطان أعمالهم)، أي يا محمد! ما يفعله قومك من اتباع الشيطان، هو ما فعله كل المكذبين في الأمم السابقة، فلا تحزن يا محمد، ولا تكن في ضيق مما يعمل هؤلاء المكذبون.

- وفي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، (تالله) أسلوب الغيبة، و (أرسلنا) أسلوب التكلم، وإنما وقع هذا الالتفات لعلو شأن إرسال الرسل، وأسند الفعل "أرسل" إلى الضمير "نا" للتعظيم؛ ولم يأت النص بـ "أرسلت" بل (أرسلنا).

وما هذا الالتفات وهذا التعظيم إلا لأن شأن اعتناء الله بهؤلاء البشر الضعفاء أمر عظيم، فإرسال الرسل من الله سبحانه وتعالى ليس كإرسال رسل من البشر إلى البشر، لأن أمر إرسال الله رسله عظيم بكل جوانبه وتفاصيله: بالمرسل سبحانه وتعالى، وبالرسالة المنزلة من عنده جل وعلا، وبما يترتب على الرسالة من عذاب وعقاب، وبالذي يحمل الرسالة من البشر، إلى غير ذلك من جوانب العظمة في قضية الإرسال.

- (أرسلنا إلى أمم) كثيرة - (من قبلك) يا محمد - رسلا بما أرسلت به أنت من الهداية والخير، (فزين لهم الشيطان أعمالهم) الشركية بصورة جميلة يحبونها، فاتبع الكفار ما زين لهم الشيطان.

- (إلى أمم) مختلفة عن بعضها باللون واللغة والشكل والصفات والزمن وغير ذلك من الاختلافات، ولكن رغم كل هذه الاختلافات فأمة الكفر واحدة، وتفكر بأسلوب واحد، ولو كانت في القرن الواحد والعشرين، في قرن تطور الاختراعات والعلوم، فإنها تفكر بمنطق الأمة الكافرة في قرن الأخشاب والحجارة والتخلف العلمي، إنها أمم متعددة ولكن طريقة التفكير واحد (فزين لهم الشيطان أعمالهم) فاتبعوه.

- وقدم الجار والمجرور (لهم) في قوله تعالى (فزين لهم الشيطان أعمالهم)؛ لأن سياق الكلام ليس التفصيل في بيان عمل الشيطان، بل سياق الكلام عن الأمم التي اتبعت ما زين لها الشيطان من الضلال، فقدم الجار والمجرور لإبراز الموضوع الرئيسي في السياق.

- (فهو) أي الشيطان (وليهم) أي ناصرهم، وفي هذا كمال البلاغة، والبلاغة تكمن في الاستهزاء بالكفار، ولكن كيف هذا؟

لو قلنا في غير التنزيل "الشيطان ليس ناصرا للكفار" لدل الكلام على معناه المراد فقط، ولكن أن تخبر الآية بأن الشيطان هو ناصر الكفار، ويكون المعنى المقصود هو العكس، فهذا يدل على الاستهزاء، واضرب مثلا للتقريب - ولله المثل الأعلى -: عندما يلقي أحد القادة القبض على خصومه، ويصبحوا جميعا تحت قبضة يده، يقول لخصومه لقد اتبعتم هذا المسجون في القفص لمعاداتي، فهو من سينصركم اليوم، ولذا سأقتلكم واحدا واحدا.

فإن المقصود بالإخبار عن الضعيف الذليل الذي لا يستطيع أن ينصر نفسه بأنه ناصر لغيره، هو استهزاء بهذا الضعيف، واستهزاء بأتباعه كيف أنهم لم يفكروا حينما اتبعوه، وهذا مثل الشيطان الذليل الرجيم، لا ينصر نفسه، فإذا أخبر بأنه هو الولي، كان هذا استهزاء به وبمن تولاه.

- (فهو وليهم) الضمير في (وليهم) يعود على كفار مكة ويدخل فيه من في معناهم، والمقصود بـ (اليوم) هو وقت نزول الآيات، أي كما أن الشيطان زين للسابقين من الأمم أعمالهم واتبعوه ووالوه، فكذلك اليوم كفار مكة يوالون الشيطان بكفرهم، فهو وليهم، ولذا لا تحزن يا محمد، فإنها سنة الكافرين.

- قيل: المقصود بـ (اليوم) هو يوم القيامة، ولكن معنى (اليوم) هو الوقت الحاضر، وهو في الآية وقت نزول الآيات، لأن المتبادر إلى الذهن أن اليوم هو الزمن الحاضر لا المستقبل، إلا أن تدل قرينة واضحة على غير ذلك، ولقد تتبعت كلمة (اليوم) في القرآن، فوجدت أنها تدل على الوقت الحاضر، ولا تدل على يوم القيامة إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وليس هنا قرينة لفظية أو معنوية واضحة على أن المقصود بـ (اليوم) هو يوم القيامة، فيبقى معنى (اليوم) على أصله وهو الزمن الحاضر، والمقصود به وقت نزول الآيات.

- (ولهم عذاب أليم) على اتباعهم الشيطان، وليس لهم عذاب فقط، بل لهم عذاب أليم، أعاذنا الله منه، آمين!

<<  <   >  >>