<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (64)

المفردات:

- لتبين: لتوضح.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة ضلال الكفار وجرائمهم البشعة، تبين هذه الآية فضل الله بإنزال القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليوضح للمكلفين الحق من الباطل، وليكون هداية ورحمة للمؤمنين.

المعنى التفصيلي:

- (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) معنى هذا الاستثناء هو: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لعلة من العلل إلا لتبين للناس الذي اختلفوا فيه من أمور التوحيد والمعاد والقدر وغير ذلك من أمور الدين.

والتعبير بأسلوب القصر (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين) يبرز المقصد من إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم إبراز ظهور وحصر، ولو قلنا في غير التنزيل "وأنزلنا إليك الكتاب لتبين لهم" لم يكن له من القوة ما لأسلوب القصر.

- (أنزلنا) الضمير "نا" للتعظيم، وجاء الكلام بأسلوب التكلم، وليس بأسلوب الغيبة " أنزل الله"؛ لما في أسلوب التكلم من التعظيم أيضا، وذلك لعلو أمر إنزال القرآن.

- تقديم الجار والمجرور (عليك) إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه المعني بأمر تبليغ الرسالة، فناسب الأمر تقديم ذكره صلى الله عليه وسلم.

- ولكن لماذا جاء التعبير في هذه الآية (عليك)، وأما في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) جاء التعبير بـ (إليك)؟

وذلك لأن حرف "على" يشير إلى علو مصدر الإنزال، وحرف "إلى" يفيد الوصول دون الإشارة إلى العلو، وكلا المعنيين موجودان في الإنزال؛ لأن الوحي أولا: ينزل من فوق فعبر بـ"على"، ولأنه ثانيا: يصل في نهاية الأمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعبر بـ "إلى".

وقد قال بعض العلماء: إذا تعدى فعل الإنزال بـ"على" فإن النزول مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تعدى بـ "إلى" فإن النزول يعم المؤمنين، وهذا غير صحيح؛ لأن من النزول المختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ما عدي بـ"إلى" كقوله تعالى (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) (المائدة: 83).

ومن النزول المختص المؤمنين ما عدي بـ"على" (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) (النساء: 140).

- (لتبين لهم) اللام في (لتبين) للتعليل، وقوله تعالى (لتبين لهم) في موضع المفعول لأجله، والضمير (لهم) يعود إلى كل المكلفين أجمعين، ابتداء من قريش وانتهاء إلى غيرهم من الجن والإنس.

- (الذي اختلفوا فيه) من أمور التوحيد والعبادة والقدر والمعاد والنبوة وغير ذلك من أمور الدين، والاختلاف الذي وقع عند الكفار إنما وقع من عند أنفسهم، فهم الذين وقعوا في الاختلاف من جهة أنفسهم، ولذا أسند الفعل "اختلف" إلى الكفار (اختلفوا).

- لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على فهم كلام العرب فقط؛ لأنه لو كان لسان العرب وحده كافيا في فهم القرآن الكريم لما كان لبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - من حاجة، وذلك لأن كل عربي يستقل وحده بفهم القرآن، ولكن من القرآن ما لا يفهم إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، وأضرب مثلا واحدا على هذا وهو المقصود من كلمة "الصلاة" والتي تعني في اللغة الدعاء، ولكنها في القرآن الكريم ذات دلالة خاصة على أفعال تبتدئ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، ولها شروط وأركان وكيفيات، وما كنا لنعلم هذا إلا عن طريق بيان النبي صلى الله عليه وسلم.

- ولكن هل بين النبي صلى الله عليه وسلم كل كلمة في القرآن الكريم؟

بين النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يفهمه الناس في عصره، وبين لنا ما نحتاجه للاجتهاد في فهم القرآن في عصرنا وفي كل العصور، ومثاله، بينت السنة الأحكام الشرعية الواقعة في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا البيان هو أساس اجتهادنا لمعرفة الوقائع المستجدة في عصرنا وغيره من العصور.

- في قوله تعالى (لتبين لهم) دليل على حجية السنة، قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله ... ) (النساء: 80) وليس من داع للإطالة في بيان حجية السنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وكلفه بتبليغ الرسالة وبيانها، ولذا فنحن مكلفون باتباع كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

- (وهدى ورحمة) معطوفتان على موضع المفعول لأجله (لتبين لهم)؛ لأن المعنى هو: وأنزلنا عليك الكتاب لأجل البيان والهدى والرحمة.

- وللهدى عدة معان، ومعناها - هنا - هو الإنعام على العباد باتباع طريق الحق، وليس الهدى بالمعنى العام الذي هو إيضاح الحق؛ لأن إيضاح الحق عام للمؤمنين والكافرين، بينما الهداية الخاصة بالمؤمنين فإنما هي الإنعام والتوفيق لاتباع طريق الحق؛ ولذا خص الهدى في هذه الآية بالمؤمنين (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

- (ورحمة) أي هذه القرآن أنزل لأجل الرحمة بالمؤمنين، فهو لهم رحمة في تشريعه، ولهم رحمة في اتباعه، لأن الله يرحم من يتبع دينه، ودين الله رحمة لمن يتبعه، وهي رحمة شاملة عامة في كل مناحي الحياة، منها الجلي البائن، الذي يراها القاصي و الداني، ومنها الخفي الذي لا يشعر بها إلا من رزقه الله الانتباه إلى لطائف رحمته سبحانه وتعالى.

- لماذا قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؟

قدم ذكر الهدى على الرحمة (وهدى ورحمة) في الآية؛ لأن الهدى سبب في نزول هذه الرحمة.

وقد يقول قائل: بل رحمة الله هي السبب في الهداية.

وللجواب عن هذا لا بد أن نعرف أن هذه الرحمة المذكورة في الآية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين (ورحمة لقوم يؤمنون)، وليست الرحمة العامة، والرحمة الخاصة بالمؤمنين لا تأتي إلا بعد أن يصبح الإنسان مؤمنا، وكيف يصبح الإنسان مؤمنا؟

يصبح الإنسان مؤمنا بالهداية أولا، ثم تنزل عليه الرحمة الخاصة بالمؤمنين، ولذا تقدم ذكر الهدى على هذه الرحمة الخاصة؛ لأن الهدى سبب للرحمة، فذكر السبب أولا ثم المسبب.

- وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يؤمنون) للإشارة إلى أن الهدى والرحمة إلى من أصبح الإيمان صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم.

- وجاء التعبير بالفعل المضارع (يؤمنون) للإشارة إلى أن القرآن هدى ورحمة لقوم يتجدد الإيمان عندهم في الصباح والمساء، ففي صلاتهم تجدد للإيمان، وفي ذكرهم لله تجدد للإيمان، وفي قراءتهم القرآن وفي إطعامهم المساكين، وفي كل عمل بر وخير لهم تجدد لإيمانهم.

<<  <   >  >>